فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 112

بل غلا بعض العلماء في القول، فذهب إلى أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد (أنت طالق ثلاثا) : طلاق بدعي إذ وصفه بوصف باطل، فلا يقع به شيء أصلا، لا واحدة ولا أكثر وهو مذهب الحجاج بن أرطأة القاضي الفقيه [1] ، قال حجة الإسلام الجصاص (ج 1 ص 388) :"ذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف أنه قال: كان الحجاج بن أرطأة خشنًا! وكان يقول: طلاق الثلاث ليس بشيء" [2] .

107 -وكان العلماء المصلحون المجتهدون في كل عصر يُفتون الناس بالقول الصحيح الراجح، من بطلان الطلاق البدعي، ومن وقوع الثلاث مجتمعة طلقة واحدة، فبعضهم يجاهر بفتياه ويَصْدعُ بالحق، وبعضهم يفتي بِحذَر، خشية العامة والدهماء. حتى قام الإمام المجدد العظيم، شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السلام الشهير بابن تيمية (661 - 728) فنصر المذهب الحق، وأبان للناس عنه، ودعاهم إليه، لا يخشى في ذلك إلا الله. وتلاه تلميذه النابغة الجريء، الإمام الكبير شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (691 - 751) فسار على نهجه، ونصره في قوله. وثار بهما بعض العلماء والجاهلون، وشجبوهما، ورموهما بالفري والأكاذيب، والكفر والضلال ومخالفة الإجماع!! وأوغروا عليهما صدور الملوك والأمراء، وهما ثابتان ثبات الرواسي على ما تبين لهما من الحق، لم تزعزعهما الأهوال والأرزاء، وصبرا على الاضطهاد والبلاء، في سبيل الله، ولسان حال كل منهما يقول:

ولست أبالي حين أُقْتَل مسلمًا ... على أي جنب كان في الله مصرعي

وتبعهما على ذلك كثير من العلماء والفقهاء من تلاميذهما وأنصارهما، إلى العصر الذي نحن فيه.

108 -وبعد: فإن حديث ابن عباس في إمضاء عمر الطلاق الثلاث، وحديثه في قصة ركانة من طريق ابن إسحق عن داود بن الحصين، اللذين

(1) مات سنة 145.

(2) وهو أيضًا، قول لبعض علماء الشيعة كما حكوه في مؤلفاتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت