فهرس الكتاب
ذكرنا آنفًا [1] وأطلنا القول فيهما-: حديثان ثابتان من جهة النقل لا مطعن في أسانيدهما: وقد حاول القائلون بخلافهما أن يخرجوا منهما بأجوبة، كلها ضعيف مستكره، ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري (ج 9 ص 315 - 319) ويظهر لي من طريقته في إيرادها، ومما ختم به كلامه في الموضوع: أنه لم يقنعه شيء منها ولم يرضه، وأنه يميل إلى القول الآخر، ولكنه يخشى أن يجهر به، وأنه أمر أن يكتب في الرد على ابن تيمية وأنصاره، فلم يسعه إلا طاعة الأمر، والإشارة إلى ذلك بدهاء سياسي قدير، فقال في ختام بحثه:"وقد أطلت في هذا الموضع لالتماس من التمس ذلك مني، والله المستعان".
109 -وأولى الأجوبة بالبحث مما ذكر ابن حجر، الجواب بدعوى النسخ، أي إن حديث ابن عباس عن شيء كان ثم نسخ، بدلالة إجماع الصحابة.
110 -قال ابن حجر، الجواب الثالث: دعوى النسخ، فنقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئًا نسخ ذلك. قال البيهقي: ويقويه ما أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاُ، فنسخ ذلك. وقد أنكر المازري ادعاء النسخ فقال: زعم بعضهم أن هذا الحكم منسوخ، وهو غلط. فإن عمر لا ينسخ. ولو نسخ -وحاشاه- لبادر الصحابة إلى إنكاره، وإن أراد القائل أنه نسخ من زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمتنع، لكن يخرج عن ظاهر الحديث. لأنه لو كان كذلك لم يجز للرواي أن يخبر ببقاء الحكم في خلافة أبي بكر وبعض خلافة عمر. فإن قيل: فقد يجمع الصحابة ويقبل منهم ذلك. قلنا: إنما يقبل ذلك لأنه يستدل بإجماعهم على ناسخ، وأما أنهم ينسخون من تلقاء أنفسهم فمعاذ الله، لأنه إجماع على الخطأ، وهم معصومون عن ذلك، فإن قيل: فلعل النسخ إنما ظهر في زمن عمر. قلنا: هذا أيضًا غلط، لأنه يكون قد حصل الإجماع على الخطأ في زمن أبي بكر، وليس انقراض العصر شرطًا في صحة الإجماع على الراجح"."
(1) في الأرقام (33 و 35 و 54 - 59) .