فهرس الكتاب
119 -وأما رابعًا: فأين هذا الإجماع الذي يدل على وجود ناسخ؟ إن سلم لهم كل ما يدعون في هذه المسألة؟ لم يحك ابن عباس إجماعًا، وإنما حكى أن عمر استشار الصحابة في إلزام المتعجلين بالطلاق، وأنه ألزمهم إياه، فكيف يدل هذا على ظهور ناسخ أو انتشاره؟! وكيف يدل على أن الذي كان يفعله في زمن أبي بكر وأول خلافة عمر-: هو من لم يبلغه النسخ؟! حقيقة أن الذي يحاول الجمع بالتأويل يرتكب خلاف الظاهر حتمًا! وقد يكون تأويله تكلفًا لا يقبل! ولكن الذي تأول هنا لم يرتكب خلاف الظاهر، وإنما نقض أصل الروايات عن ابن عباس!! فإنه ادعى دعوى خالها ثم أراد أن يجعلها هي مدلول الأحاديث، وليست منها في شيء، بل هي تنفيها وتردها، فصارت دعواه دعوى ودليلًا معًا!!
120 -إذ لو صح أن الذي كان يفعله في زمن أبي بكر وأول خلافة عمر هو من لم يبلغه النسخ ثم بلغ الناسخ عمر-: لكان وجه الكلام أن يقول للصحابة: إنا كنا نفتي الناس ونحكم فيهم بأن من طلق ثلاث مرات في عدة واحدة أنها طلقة واحدة، ولكني علمت بعد ذلك من فلان وفلان -مثلا- أن ذلك كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الأمر، وأنه قال بعد ذلك كذا -شيئًا يخالف ما عليه عملهم- أو أنه حكم بعد ذلك بكذا.
121 -أما أن يروي ابن عباس،"أن ثلاثًا كن يرددن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى واحدة"، و"أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثًا من خلافة عمر"، وأن يقول:"فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عليهم"، وأن يحكى قول عمر:"إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم"و:"أيها الناس، قد كانت لكم في الطلاق أناة، وأنه من تعجل أناة الله في الطلاق ألزمناه إياه". ثم يظن هذا المتأول المدَّعي النسخ أن ابن عباس يريد بأقواله هذه ما زعمه هو؛ لم يكن ظنه هذا تأويلًا ارتكب فيه خلاف الظاهر، وإنما يكون خروجًا بالكلام عن كل وجه من أوجه دلالة الألفاظ على المعاني!!
122 -وأما خامسًا: فإننا لو سلمنا أنهم أجمعوا على ما رآه عمر من إمضاء الطلاق: لم يكن إجماعهم عليه دالا على وجود ناسخ لأننا علمنا سبب الاتفاق عليه، بإخبار الراوي الثقة، وعلمنا أنه ليس عن علم وصل