فهرس الكتاب
ترى الفقهاء إذا حزَبَهُم الأمر وأعوزتهم الحجة: ادعوا الإجماع ونبزوا مخالفة بالكفر، وحاش لله. إنما الإجماع الذي يكفر مخالفه هو المتواتر المعلوم من الدين بالضرورة. وما أحسن ما قاله الإمام أبو الوليد بن رشد الفيلسوف في كتابه"فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال"قال:
126 -وقد يَدُلك على أن الإجماع لا يتقرر في النظريات بطريق يقيني، كما يمكن أن يتقرر في العمليات-: أنه ليس يمكن أن يتقرر الإجماع في مسألة ما، في عصر ما، إلا بأن يكون ذلك العصر عندنا محصورًا، وأن يكون جميع العلماء الموجودين في ذلك العصر معلومين عندنا، أعني معلومًا أشخاصهم ومبلغ عددهم، وأن ينقل إلينا في المسألة مذهب كل واحد منهم فيها نقل تواتر، ويكون مع هذا كله قد صح عندنا أن العلماء الموجودين في ذلك الزمان متفقون على أنه ليس في الشرع ظاهر وباطن، وأن العلم بكل مسألة يجب أن لا يكتم عن أحد، وأن الناس طريقهم واحد في علم الشريعة. وأما وكثير من الصدر الأول نقل عنهم أنهم كانوا يرون أن للشرع ظاهرًا وباطنًاَ، وأنه ليس يجب أن يعلم الباطن من ليس من أهل العلم به ولا يقدر على فهمه، مثل ما روى البخاري عن علي رضي الله عنه أنه قال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ومثل ما روى من ذلك عن جماعة من السلف-: فكيف يمكن أن يتصور إجماع منقول إلينا عن مسألة من المسائل النظرية؟ ونحن نعلم قطعًا أنه لا يخلو عصر من الأعصار من علماء يرون أن في الشرع أشياء لا ينبغي أن يعلم بحقيقتها جميع الناس؟ وذلك بخلاف ما عرض في العمليات فإن الناس كلهم يرون إفشاءها لجميع الناس على السواء. ويكتفي حصول الإجماع فيها بأن تنتشر المسألة فلا ينقل إلينا فيها خلاف، فإن هذا كاف في حصول الإجماع في العمليات، بخلاف الأمر في العلميات"."
127 -"ونحن لا نوافقه على الكلمة الأخيرة التي معناها الإجماع السكوتي، إلا إن كان يريد به العملي فقط، وأما أن يفتي مفت أو يحكم حاكم بأمر من أمور الشريعة ثم لا يخالفه -فيما يصل إلينا- أحد من أهل عصره: فليس هذا إجماعًا ولا شبيهًا به، وهو واضح."