فهرس الكتاب
132 -"والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له، زمانًا ومكانًا وحالا: كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع يتنوع فيها بحسب المصلحة: فشرع التعزير بالقتل لمدمن الخمر في المرة الرابعة، وعزم على التعزير بحرق البيوت على المتخلف عن حضور الجماعة، لو ما منعه من تعدي العقوبة إلى غير من يستحقها من النساء والذرية، وعزر بحرمان النصيب المستحق من السلب. وأخبر عن تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر ماله، وعزر بالعقوبات المالية في عدة مواضع. وعزر من مثل بعبده بإخراجه عليه وإعتاقه عليه. وعزر بتضعيف الغرم على سارق ما لا قطع فيه وكاتم الضلالة. وعزر بالهجر ومنع قربان النساء. ولم يعرف أنه عزر بِدِرَّّة ولا حبس ولا سوط، وإنما حبس في تهمة ليتبين حال المتهم".
133 -"وكذلك أصحابه تنوعوا في التعزيرات بعده: فكان عمر رضي الله عنه يحلق الرأس وينفي ويضرب، ويحرق حوانيت الخمارين والقربة التي تباع فيها الخمر، وحرق قصر سعد بالكوفة لما احتجب فيه عن الرعية. وكان له -رضي الله تعالى عنه- في التعزير اجتهاد وافقه عليه الصحابة. بكمال نصحه وفور علمه وحسن اختياره للأمة، وحدوث أسباب اقتضت تعزيره لهم بما يردعهم، لم يكن مثلها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كانت ولكن زاد الناس وبالغوا فيها، فمن ذلك: أنهم لما زادوا في شرب الخمر وتتايعوا فيه، وكان قليلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعله عمر رضي الله عنه ثمانين ونفى فيه، ومن ذلك: اتخاذه دِرَّة يضرب بها من يستحق الضرب، ومن ذلك: اتخاذه دارًا للسجن، ومن ذلك: ضربه للنوائح حتى بدا شعرها".
134 -"وهذا باب واسع، اشتبه فيه على كثير من الناس الأحكام الثابتة اللازمة التي لا تتغير -بالتعزيرات التابعة للمصالح وجودًا وعدمًا".
135 -"ومن ذلك: أنه رضي الله عنه لما رأى الناس قد أكثروا من الطلاق الثلاث رأى أنهم لا ينتهون عنه إلا بعقوبة، فرأى إلزامهم بها، عقوبة لهم، ليكفوا عنها. وذلك إما من التعزير العارض الذي يفعل عند الحاجة، كما كان يضرب في الخمر ثمانين، ويحلق فيها الرأس وينفى عن الوطن، وكما منع النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خُلفوا عنه عن الاجتماع بنسائهم. فهذا له وجه. وإما ظنا أن جعل الثلاث واحدة كان"