فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 112

عدتها، فإن تبعتها نفسه كان له سبيل إلى خطبتها وتجديد العقد عليها برضاها، وإن لم تتبعها نفسه تركها فنكحت من شاءت. وجعلت العدة ثلاثة قروء ليطول زمن المهلة والاختبار. فهذا هو الذي شرعه وأذن فيه، ولم يأذن في إبانتها بعد الدخول إلا بالتراضي بالفسخ والافتداء. فإذا طلقها مرة بعد مرة تبقى له طلقة واحدة. فإذا طلقها الثالثة حرمها عليه عقوبة له، ولم يحل له أن ينكحها حتى تنكح زوجًا غيره ويدخل بها ثم يفارقها بموت أو طلاق. فإذا علم أن حبيبه يصير إلى غيره فيحظى به دونه-: أمسك عن الطلاق"."

140 -"فلما رأى أمير المؤمنين أن الله سبحانه وتعالى عاقب المطلق ثلاثا بأن حال بينه وبين زوجه وحرمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره-: علم أن ذلك لكراهته الطلاق المحرم وبغضه له. فوافقه أمير المؤمنين في عقوبته لمن طلق ثلاثًا: بأن ألزمه بها وأمضاها عليه."

141 -"فإن قيل: كان أسهل من ذلك أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث ويحرمه عليهم ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله، لئلا يقع المحذور الذي يترتب عليه. قيل: نعم، لعمر الله كان يمكنه ذلك، ولذلك ندم عليه في آخر أيامه، وود أنه كان فعله. قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في مسند عمر:"أخبرنا أبو يعلى حدثنا صالح بن مالك حدثنا مجالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما ندمت على شيء ندامتي على ثلاث: أن لا أكون حرمت الطلاق، وعلى أن لا أكون أنكحت الموالى، وعلى أن لا أكون قتلت النوائح"ومن المعلوم أنه رضي الله عنه لم يكن مراده تحريم الطلاق الرجعي الذي أباحه الله تعالى، وعلم من دين رسول الله صلى الله عليه وسلم جوازه، ولا الطلاق المحرم الذي أجمع المسلمون على تحريمه، كالطلاق في الحيض وفي الطهر المجامع فيه، ولا الطلاق قبل الدخول الذي قال الله تعالى فيه: (لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) هذا كله من أبين المحال أن يكون عمر رضي الله عنه أراده. فتعين قطعًا أنه أراد تحريم إيقاع الثلاث. فعلم أنه إنما كان أوقعها لاعتقاده جواز ذلك، ولذلك قال: إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم. وهذا كالصريح في أنه غير حرام عنده، وإنما أمضاه لأن المطلق كانت له فسحة من الله تعالى في التفريق، فرغب عما فسحه الله تعالى له إلى الشدة والتغليظ، فأمضاه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت