فهرس الكتاب
عمر عليه، فلما تبين له بالآخرة ما فيه من الشر والفساد: ندم على أن لا يكون حرم عليهم إيقاع الثلاث ومنعهم منه -وهذا هو مذهب الأكثرين: مالك وأحمد وأبي حنيفة رحمهم الله- فرأى عمر رضي الله عنه أن المفسدة تندفع بإلزامهم به، فلما تبين له أن المفسدة لم تندفع بذلك وما زاد الأمر إلا شدة: أخبر أن الأولى كان عدو له إلى تحريم الثلاث الذي يدفع المفسدة من أصلها. واندفاع هذه المفسدة بما كان عليه الأمر في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وأول خلافة عمر رضي الله عنهما: أولى من ذلك كله. ولا يندفع الشر والفساد بغيره البتة. ولا يصلح الناس سواه"."
142 -هذا ما قاله ابن القيم رحمه الله، وفيه فوائد نفيسة، وآراء جليلة، تحتاج إلى دراسة واسعة، وتعمق في البحث، ليعم النفع بها في مسائل كثيرة مما يحتاج إلى الإصلاح. وهذه إشارة كافية الآن. وأنا أوافقه على أكثر ما قال فيه، إلا الأثر الذي نقله عن عمر أنه ندم إذ لم يحرم الطلاق وما معه، فإنه خالف عادته وعادة علماء السنة المحققين، الذين لا يحتجون برواية إلا بعد التثبت من صحتها. وهذا الأثر إسناده غير قائم: أما صالح بن مالك أبو عبد الله الخوارزمي فإنه صدوق، وروى عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي الدنيا، وله ترجمة في تاريخ بغداد للخطيب (ج 9 ص 316) ، وأما شيخه مجالد [1] بن يزيد فإني لم أجد له ترجمة بعد كثرة المراجعة، وأما أبوه يزيد بن أبي مالك الهمداني فقد ذكره ابن سعد في الطبقات (ج 7 ق 2 ص 166) وذكر أنه مات سنة 130 عن 72 سنة، فلو كان الإسناد إليه صحيحًا لانقطع عنده، فإن عمر رضي الله عنه قتل سنة 23. أي قبل ولادة يزيد بن أبي مالك بنحو 35 سنة، والمنقطع ضعيف لا يحتج به.
143 -وأخيرًا: وقبل أن أختم هذه الأبحاث أحب أن أنبه إلى أمر سبق الكلام فيه طويلا، خشية أن يشبه على القارئ. فإني نقلت كثيرًا من أقوال السابقين من المؤلفين في الاحتجاج للقول الصحيح بعدم وقوع الطلاق الثالث، وهم أوردوها على إرادة أن الطلاق الثلاث يشمل النوعين اللذين
(1) صوابه (خالد بن يزيد) وله ترجمة في التهذيب وأبوه (يزيد بن عبد الرحمن أبي مالك) وله ترجمة أيضًا هناك وخالد ضعيف. [هذا التعليق زيادة من الطبعة الثانية. الناشر] .