فهرس الكتاب
فرقت بينهما: أعني التطليق مرة واحدة بإنشاء واحد موصوف بالعدد، والتطليق ثلاث مرات بعدة واحدة في مجلس أو مجالس. بل إن كثيرًا منهم يوردون احتجاجهم على إرادة النوع الأول فقط، إذ يظنون أنه أقوى في الدلالة على الطلاق الثلاث من النوع الثاني إذا كان في مجلس واحد. وقد أبنت عن الوجه الصحيح في إبطال الطلاق الثلاث بلفظ واحد في الإنشاء، وأنه لا يصلح محل خلاف أصلا، وأنه لم يكن محل خلاف بين المتقدمين. ولذلك أوردت الأدلة التي ذكرتها والتي نقلتها عن غيري في معرض الاحتجاج على بطلان الطلقتين التاليتين للطلقة الأولى في العدة، وعلى أن الطلاق لا يلحق الطلاق، وعلى أن المعتدة لا يلحقها طلاق. فهذا وجه اختلاف النظر بيني وبينهم في إيراد الأدلة. وأرجو أن أكون أحسنت البيان عنه، وأن أكون أقمت الحجة، وأوضحت البرهان وأقنعت القارئ بما أنا مقتنع به وموقن منه. والتوفيق من الله، والحمد لله رب العالمين.
144 -والآن وقد أكملنا القول في الطلاق البدعي والطلاق الثلاث: ينبغي أن نقول كلمة في أحكام الطلاق في القانون (رقم 25 لسنة 1929) . وهذا القانون عمل جليل، وكان في وقته وثبة كبيرة في سبيل الإصلاح: لأنه رفع عن أعناق الناس نِيرًا كان يرهقهم ولا يجد المصلح المخلص لدفعه سبيلا، وهو كابوس (لطلاق الثلاث) بلفظ واحد. وآخر أبعد أثرًا وأكثر ضررًا، وهو (الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على شيء أو تركه) أو ما يسميه العامة (الحلف بالطلاق) .
145 -أما المادة الثانية منه، ونصها: (لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه لا غير) : فإنه لا اعتراض عليها، إلا أنها غير كافية في إبطال الطلاق المعلق مطلقًا، والطلاق المعلق كله غير صحيح ولا واقع، لأنه ليس من الطلاق المأذون فيه، والرجل لا يملك من الطلاق إلا ما أذنه به الله سبحانه وتعالى. وأيضًا: فإن تعليقه على شيء سيكون في المستقبل يجعله لفظًا باطلًا، لأن الإنشاء إنما يكون في الحال فقط، ولا يمكن عقلا أن يكون في الاستقبال. وهذا القول هو مذهب الشيعة، وقد اختاره ابن حزم في المحلى (ج 10 ص 213 - 216) . والأدلة التي احتججنا بها فيما مضى لبطلان الطلاق البدعي كافية في الحكم ببطلان الطلاق المعلق كله.