فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 112

180 -وهذا الرأي في ظني أعدل الآراء وأقربها لنص القرآن. واستثناء المرضع وإن لم يكن مفهومًا من نص الآية صريحًا فإنه مفهوم منها دلالة. لأن اشتراط الريبة يؤخذ منه أن التي لا ترتاب في دعواها تأخر حيضها ويغلب على الظن صدقها: فإن لها حكمًا آخر، وهذا شأن المرضع، لأنا نعلم أن أكثر النساء يرتفع حيضهن في السنة الأولى من الرضاع، أو في أكثر أشهرها. فتحديد مدة انقطاع حيض المرضع بسنة قبل ابتداء عدتها بالأشهر أقرب إلى الصواب عندي -انظر تيسير الوصول [1] (4: 6) حديث محمد بن يحيى بن حيان.

181 -وعلى كل حال: فإني أرى أن استثناء المرضع قد يجب الرجوع فيه إلى رأي الأطباء العارفين بأمراض النساء وأحوالهن في الرضاع والحيض. وإلى ما عندهم من الإحصاء المبني على التجارب والمشاهدة. ثم يستنبط الحكم في شأنهن على ما يظهر من الغالب في ذلك، ليكون مطابقًا -فيما يبدو لنا- لقواعد العدالة الدقيقة.

182 -وأما الذي عليه العمل في المحاكم الآن من اعتبار عدة المرأة-مطلقًا- سنة واحدة بالنسبة للنفقة: فإن فيه إرهاقًا للرجال، لأن أكثر النساء غير صادقات في زعمهن انقطاع الحيض، وإنما يزعمن ذلك إذا أردن أكل أموال مطلقيهن بالباطل. وفيه أيضًا ظلم للمرضع. لأنها لا يجيئها الحيض في أكثر السنة الأولى من إرضاعها، فهي في الغالب صادقة في خبرها عن انقطاعه.

183 -ثم إن الأخذ بهذا الرأي، في عدة المرتابة والمرضع يمنع فسادًا كبيرًا أشاعه بين النساء جمهور من المأذونين، لأنهم عرفوا من مذهب أبي حنيفة أن المرأة تصدق في دعواها انقضاء عدتها بالحيض في ستين يومًا من تاريخ الطلاق -وهذا إن صح في الواقع، فإنه شاذ نادر، ولا يبنى الحكم على النادر. فصاروا لا يسألون المطلقات عند تزويجهن عن الحيض وعادتهن فيه، بل يعدون الأيام عدًا، فإذا أتمت الستين يومًا عقدوا زواجها بمن تريد، من غير تحرج ولا خوف من الله، وقد تكون المرأة طلقت في أول حيضتها وهي لا تحتسب من عدتها، وهم لا يعبئون. وقد تحققت من

(1) من قوله (انظر تيسير الوصول) إلى هنا زيادة من الطبعة الثانية. الناشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت