اعلم -أيها المحتسب- وفقني الله وإياك لإزالة المنكرات، أن عمدة هذا الباب -أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- وهو حديث أبي سعيد الخدري قوله صلى الله عليه وسلم: {من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه .. } ، إلى آخر الحديث.
فتأمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علق الأمر على الاستطاعة، فمما ينبغي عليك معرفته أن تعلم أن تغيير المنكرات لا بد أن يكون فيما لا يؤدي إلى منكر أكبر ..
فالاستطاعة هنا نوعان:
النوع الأول: الاستطاعة الفعلية: بأن يكون الإنسان لو أمر بالمعروف أو نهى عن النكر أوذي أو حُبس أو ربما قُتل، فهو لا يستطيع أن يغير بيده، فيغيّر بلسانه، أو بقلبه.
النوع الثاني: الاستطاعة الحُكمية: بمعنى أنه يستطيع أن يغير بيده، ولكن يؤدي إلى ضرر أكبر، كمن يرى مدخنًا وهو يعلم أنه لو أخذ الدخان من يده وأتلفه لربما استفرّه ذلك فكفر هذا المدخن بسبه لله سبحانه وتعالى أو سب رسوله والعياذ بالله، أو غير ذلك، فالاستطاعة إما استطاعة فعلية أو استطاعة حكمية، بأن يخشى أن يصل إلى منكر أكبر أو غير ذلك، فينتقل من تغيير اليد إلى تغيير اللسان وهكذا.
الشروط كثيرة، ونذكر هنا أهمها مما يحتاج إليه المقام، ومن ذلك:
الشرط الأول: أن يكون الآمر والناهي على بصيرة بما يدعو إليه، وبحال المدعو، وبكيفية الدعوة [1] : فالعلم قبل القول والعمل، كما بوَّب البخاري رحمه الله: (باب العلم قبل القول والعمل) وذلك على قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} ..
وقال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف: 108] .
(1) قواعد مهمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص (16 - 18) .