الشرط الرابع: أن يكون الإنكار في الأمور التي لا خلاف فيها [1] .
من الأمور اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: أن يتسع صدره لقبول الخلاف فيما يسوغ فيه الخلاف.
وهناك مسائل فرعية ليست من الأصول يختلف فيها الناس كثيرًا، وتتباين أقوالهم فيها، وهي في الحقيقة مما يجوز فيه الخلاف، فمثل هذه المسائل لا يُبَدّع ولا يُكفّر من خالف فيها، ولا يُنكَر عليه؛ لأنها مما وسع الله فيها على عباده، يقول الغزالي رحمه الله عن المنكر: (أن يكون كونه منكرًا معلومًا بغير اجتهاد، فكل ما هو محل الاجتهاد فلا حِسبة فيه) [2] .
وروى أبو نعيم بسنده عن سفيان الثوري رحمه الله قوله: (إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختُلف فيه وأنت ترى غيره فلا تَنْهَهُ) [3] .
ويستثني القاضي أبو يعلى من ذلك إذا كان الخلاف ضعيفًا في مسألة من المسائل، وقد يؤدي عدم الإنكار إلى محظور متفق عليه، قال رحمه الله: (ما ضُعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كربا النقد، فيدخل في إنكار المحتسب بحكم ولايته) [4] .
وقال النووي: (ثم إن العلماء إنما ينكرون ما أُجمع على إنكاره، أما المختلَف فيه فلا إنكار فيه؛ لأن كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد ولا نعلمه، ولم يزَل الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع ولا ينكر أحد على غيره وإنما ينكرون ما خالف نصًّا أو إجماعا أو قياسا جليًا) [5] .
وبهذا يتبين لنا أن الخلاف على نوعين: إما أن يكون سائغًا، وإما أن يكون غير سائغ، فالخلاف السائغ يمنع من الاحتساب على رأي بعض العلماء، وأما الخلاف غير السائغ، أو الشاذ، فهو كمن يخالف
(1) قواعد مهمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (27 - 29) .
(2) إحياء علوم الدين (2/ 286) .
(3) الأحكام السلطانية لأبي يعلى (297) .
(4) الآداب الشرعية (1/ 190) .
(5) روضة الطالبين (10/ 219) .