وتتعطل المصالح. فظهرت حكمة النبي - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - وصبره على بعض المفاسد خوفًا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم؛ ولتقوى شوكة الإسلام، وقد أُمر بالحكم الظاهر، واللَّه يتولى السرائر.
وقد ظهرت الحكمة لعمر بعد ذلك في عدم قتل عبد اللَّه بن أُبيّ فقال:"قد واللَّه علمت، لأمر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - أعظم بركة من أمري" [1] .
وهكذا ينبغي للدعاة إلى الله أن يسلكوا طريق الحكمة في دعوتهم اقتداء بنبيهم - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم -.
بمثل هذا استطاع النبي - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - أن يبني مجتمعًا مسلمًا أروع وأشرف مجتمع عرفه التاريخ، وأن يضع لمشكلات هذا المجتمع حلًا بعد أن كان يعيش في ظلمات الجهل والخرافات، فأصبح مجتمعًا يضرب به المثل في جميع الكمال الإنساني، فحَريٌّ بالدعاة إلى اللَّه أن يسلكوا مسلكه، ويهتدوا بهديه - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - [2] .
دخل سليمان بن عبد الملك المدينة أيام خلافته، فأقام بها ثلاثًا، فقال: ما ههنا رجل ممن أدرك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - يحدثنا؟ فقيل له: ههنا رجل يقال له أبو حازم سلَمة بن دينار، فبعث إليه فجاء. فقال سليمان: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء؟ قال أبو حازم: وأي جفاء رأيت منى؟ فقال له: أتاني وجوه المدينة كلهم ولم تأتني؟! فقال: ما جرى بيني وبينك معرفة آتيك عليها. قال صدق الشيخ. يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب. قال: صدقت يا أبا حازم، فكيف القدوم على الله تعالى؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله فرحًا مسرورًا، وأما المسيء فكالآبق (الآبِق: أي العبد الهارب من سيده) يقدم على مولاه خائفًا محزونًا. فبكى سليمان وقال: ليت شعرى، ما لنا عند الله يا أبا حازم؟ فقال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله؟ قال: عند قوله: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار 13 - 14] . قال يا أبا حازم، فأين رحمة الله؟ قال: {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] قال: يا أبا حازم، من أعقل الناس؟ قال: من تعلم الحكمة وعلمها الناس. قال: فمن أحمق الناس؟ قال: من حط نفسه في هوى رجل وهو ظالم، فباع آخرته بدنيا غيره. قال: يا أبا حازم فما
(1) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (4/ 185) ، وانظر: شرح النووي على مسلم، (16/ 139) .
(2) انظر: الرحيق المختوم، ص 183.