قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قاعدة في الحسبة:
أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب، وبه أرسل الرسل، وعليه جاهد الرسول والمؤمنون، وقد أخبر سبحانه وتعالى عن جميع المرسلين: أن كلًّا منهم قال لقومه: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59] ، وعبادته سبحانه وتعالى تكون بطاعته وطاعة رسوله.
اعلم أن لمقصود الحسبة في الإسلام جناحين لا تكون إلا بهما كما أن الطائر لا يطير إلا بجناحيه، فمتى ما أخَلّ الداعية والمحتسب بأحدهما انحرف عن جادة الصواب وكان خطؤه أكثر من صوابه.
من أجل ذلك يقول الله سبحانه وتعالى في ذلك عن بني إسرائيل: (( وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) ) [الأعراف:164] ، فيجب على الدعاية إلى الله سبحانه وتعالى أن يدرك أن دعوته إلى الله سبحانه وتعالى أنه إنما يقصد منها المعذرة إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يقصد بذلك أيضًا لعلهم يتقون، فمتى نظر الداعية إلى أحد هذين الركنين من أركان مقصود الحسبة ومُبتغى المحتسب، متى نظر إلى أحدهما حاد عن الطريق، فمن نظر إلى الثمرة الأولى والمقصد الأول ألا وهو قول الله: (( مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ) ) [الأعراف:164] ، دون النظر إلى سبب إلى أنه يريد هداية الناس ضل عن الطريق، فتجد أنه يجتهد في أن يؤدي وأن يبرئ ذمته كما يظن بأن يأمر بالمعروف دون حكمة ولا موعظة حسنة، ودون أن يتبع في ذلك الأساليب التي ينبغي أن يتبعها ليدخل الناس في دعوته، ولا ينظر إلى الأساليب ولا أن يجتهدوا في إصلاح الناس، إنما يريد أن يُعذر فقط أمام الله، فيقصر في جانب أساليب الدعوة، ويقصر في جانب الحرص واستخدام واتباع الحكمة والموعظة الحسنة.
ومن نظر إلى الجانب الآخر دون الأول، أي: نظر إلى أن يسعى إلى إصلاح الناس دون أن ينظر إلى الجانب الأول وهو أن الدعوة هي معذرة إلى الله سبحانه وتعالى؛ فإنه حينئذٍ قد يجتهد ويبتدع في دين الله، فتجد أن المبتدع يبتدع في دعوته، وتجد أن بعض الجماعات قد تنازلت فأدخلت الموسيقى في دعوتها، وأدخلت الصور النسائية، وأدخلت المحرمات، وخالف في دين الله سبحانه