المتعارضين من حديث مسلم وحديث أبي داود فإن حصل له من البحث ظن أرجح إما بترجيح حديث مسلم أو ترجيح حديث أبي داود من الظن الحاصل من تلقي الأمة بالقبول صار إليه إلى ما رجع له لأنه لا يعمل بظن مرجوح عند وجود ظن راجح وإن كان تلقي الأمة بالقبول أرجح في ظنه عمل به وأهل الكشف هم المتمكنون من النظر في الأسانيد والكشف عن أحوال الرواة
فإن قيل قد نقل الحافظ ابن النحوي في البدر المنير والحافظ زين الدين في التبصرة عن الحافظ أبي عبد الله بن منده أنه قال عن أبي داود إنه يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره لأنه عنده أقوى من رأي الرجال وقدمنا هذا قريبا وهذا يقتضي أن في ما سكت عنه ضعيفا عنده لا يجوز العمل به لأنه لا يعمل إلا بصحيح أو حسن وهذا خارج عنهما لأنه ضعيف لم يعضده خبر آخر بل لم نجد غيره وذلك الضعيف الذي صرح أبو داود بإخراجه في كتابه غير متميز عن غيره فوجب ترك الجميع أي جميع ما سكت عنه لأنه وإن كان فيه ما يصح به العمل لكنه لم يتميز عما لا يصح ولم يحل الاحتجاج بشيء منها إلا بعد الكشف عن أحوال رجالها في كتب الجرح والتعديل وهذا خلاف ما عليه العمل من العلماء فإنهم يحتجون بما سكت عنه أبو داود كما تقدم وخلاف ما نص عليه الحفاظ كابن الصلاح والنووي وزين الدين بن العراقي وسراج الدين بن النحوي وغيرهم فإنهم قالوا نحتج بما سكت عنه أبو داود إلا أن يظهر في بعضها أمر يقدح في الصحة والحسن وجب ترك ذلك كما نقله المصنف عن النووي قريبا وتقدم الكلام في أن ما سكت عنه أنه يحتمل الصحة والحسن
قلت الجواب أن ذلك لا يشكل إلا على من كان لا يعرف ما اصطلح عليه القوم في باب مراتب الجرح والتعديل وغيره من أبواب علوم الحديث وأنت