أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.
ومن قبلِ أولئكَ المؤمنينَ يوسف الصديق عليهِ السلام, دُعي إلى معصيةِ الزنا فأبى وتمنّع, وعصمَهُ الله تعالى بإخلاصه, فأصدر الطاغوتُ فيهِ أمرين؛ إمَّا الزنا, وإما مرارةَ السجن وظلمات الزنازين، فاختارَ السجنَ على ذلك.
فكيفَ بمن خُير بين الكفر والسجن, وليس بين المعصيةِ والزنازين؟! بل كيف بمن جاء طوعًا إلى اختيار الكُفر, والرضا بحكمِ الطواغيت, والركونِ إلى متاعِ الدنيا القليل.
قال الشيخ السعدي رحمه الله في"الفوائد المستنبطة من قصة يوسف": (ومنها؛ أن يوسف عليهِ السلام اختار السجن على المعصية, فهكذا ينبغي للعبد إذا ابتلي بين أمرين, إما فعل معصية, وإما عقوبة دنيوية, أن يختارَ العقوبة الدنيوية على مواقعة الذنب الموجب للعقوبة الشديدة في الدنيا والآخرة, ولهذا من علاماتِ الإيمان أن يكره العبد أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار) انتهى كلامه رحمه الله.
وفي هذا البيان توضيحٌ لحكم الانتخاباتِ القادمَةِ التي يستبشرُ بها دُعاة العمل السياسي, على الرغم من علمهم بأن كتابةَ الدستورِ من أعظم ما يناقضُ التوحيد, ويتضادُّ مع دينِ الله, وأنّ كاتبه قد جعل من نفسِهِ ندًّا لمالك السماوات والأرض, الذي لا يملك مخلوقٌ أن يشرِّع معه أحكامًا لبني البشر, حيثُ إن التشريع من خصائص الربوبية التي لا ينازع الله تعالى فيها إلا الطغاةُ والجبابرة.
ومن المعلوم أن من جعل من نفسه ندًّا لله تعالى في ادعاءِ الخلق, وتدبيرِ شؤون الناس في الرزق والإحياء والإماته, وكذا من جعلَ نفسَهُ مشرِّعًا مع الله, لا يقلُّ جُرمُه عن جريمةِ فرعونَ والنمرود، قال تعالى في سورة براءة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
قال الإمام القرطبي رحمه الله: (معناهُ؛ أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله ولم يحله الله) .
ومن هنا فإنهُ لا بد أن نقف على المفاهيم العقدية لتكون منارةً يستنير بها المُجاهدون, ومعلمًا واضحًا يسيرُ عليه الموحدون.