انتهت بنا السيارة أمام مبنى كبير، علمت أنه سجن الرويس حيث توجد إدارة مباحث جدة: عبرنا بوابته وطافت بأرجائه السيارة المقلة لنا وكأنما أرادت السلطات إكرامي بجولة سياحية في باحة هذا المجمع الضخم الذي نما بسرعة بعدما ألحقت به مؤخرًا أجنحة إضافية لتستوعب ضحايا حملات الاعتقال المستمرة.
استلمني الحراس داخل السجن، وأنهوا إجراءات"الإيداع"الروتينية من تغيير الملابس ومصادرة كل ما بحوزتي من ممتلكات شخصية. ثم نقلت إلى زنزانة صغيرة لا يزيد طولها عن متر ونصف وعرضها عن متر واحد، حيث قضيت الشهور الثلاثة الأولى. لم يطل بي المقام بعد الوصول الأول، فإذا بي اقتاد إلى مكتب رقم واحد، حيث المحقق"أبو نايف"الذي رقي حديثًا إلى رتبة لواء. ولعل الترقية جاءت إكرامًا له على ما يبذله من تفان في إيذاء عباد الله ومن تفنن في تعذيبهم. تبين لي فيما بعد أن"أبا نايف"هذا هو أولى المحطات حيث تدار عمليات التحقيق التي يباشرها هو بنفسه، ثم يقرر فيما بعد تحويل المعتقل إلى ضابط آخر، مع استمرار المتابعة، أو يستنجد برئيسه مدير السجن اللواء زقزوق، الذي يفوقه بمراحل بما يتصف به من سادية واستمتاع بتعذيب وإيذاء الغير، كما يفوقه أيضًا في بذاءة اللسان والجرأة على الدين والعرض.
وقفت أمامه مقيد اليدين، وبينما وقف إلى جانبه ضابطان آخران تنطق وجوههم جميعًا بالعداء، سألني: لماذا قمت بعملية تفجير الرياض؟ أنكرت صلتي بالعملية، وقلت - وكنت صادقًا في ذلك - لا أعلم شيئًا عن الانفجار إلا ما سمعت من وسائل الإعلام. فانهالت علي الركلات واللكمات، ولم يبق موقع في جسدي إلا ناله نصيب من الأذى حتى تمزقت ملابسي علي. كل هذا ويداي لا تزالان مقيدتان. تعرى نصف جسدي، فتفتّحت شهيتهم على لسع بدني بالسياط وأدوات ضرب لم أعرف ما هي. وطوال ساعات من الضرب، ظلوا يلحون على بنفس السؤال"لماذا قمت بتفجير الرياض"، وأنا لا أملك إلا الإنكار. أصبت بالإغماء من شدة ما لاقيت، وكلما حدث ذلك ألقوا علي الماء لأصحو من جديد. لم تعد رجلاي تحملاني، فكنت أسقط على الأرض، ولولا أنهم كلوا وملوا لأجهزوا علي من يومهم ذاك. أمروا بحملي إلى الزنزانة، وهناك ألقى بي رجلان من الحراس، فمكثت كالجثة هامدًا لا أقوى على الحركة.
أخذت في اليوم التالي إلى التحقيق من جديد، وأعيد طرح السؤال إياه على مرات عديدة، وكلما أنكرت جد الجلادون في النيل من بدني، وقد تطورت هذه المرة أساليب تعذيبهم. فقد قيدت يداي إلى قضيب معدني أدخل تحت ركبتي، ثم علق القضيب فأصبحت كالذبيحة المعلقة للشواء. تحول التحقيق إلى حفلة تعذيب خاصة، وانهالت عليّ سياط