فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 204

وعصي الضباط من كل جهة، يجتمعون تارة ويتناوبون أخرى، يجاهدون في سبيل السلطان بسلخي، فلا يهم إطلاقًا أين تقع العصا، فكلي في عرفهم مستباح، وأنا لا أملك أن أرد شيئًا من كيدهم، فأنا معلق، ورأسي مدلى، تدور بي الأرض، وتوشك روحي أن تنفلت من عقالها مستجيرة بخالقها من هذه الوحوش. كنت أحسن حظًا من بعض المساجين الآخرين، الذين لم يبقوا عليهم شيئًا من ملابسهم، أثناء حفلات التعذيب، بل قل الشواء، وكانوا رغم معاناة الضحية يعبثون بالأعضاء التناسلية ويدخلون في الدبر ما حلا لهم من أدوات. كل ذلك، وهم يضحكون، كما لو كانوا في جلسة سمر وتفكه.

انقضت حفلة اليوم الثاني، نقلت إلى زنزانتي وأنا في حال أسوأ مما كنت عليه بعد حفلة الأمس. وتكررت الحفلات والجولات، إلى أن يئس مني"أبو نايف"فحولني إلى رئيسه"زقزوق"بذيء اللسان كفري الألفاظ، الذي لم يجد متعة سوى في السخرية من الدين وأهله، يشتم الشريعة ويسفه العلماء والصالحين، تتألم نفسي كلما تذكرت تحقيره لدين الله ووصفه الشرع بأفحش الكلام، فقد كان ذلك والله أشد وقعًا عليّ مما لحق بي من تعذيب بدني، إذ أنني كنت أشعر بعجزي عن أنتصر لدين الله في موقف وجب علي نصره. وفي سيل شتائمه البذيئة، كان يهددني كل حين بالاعتداء جنسيًا علي.

بعد أن يأس المحققون من أن أعترف بالضلوع في تفجير الرياض، بدأوا يلحون علي أن أعترف بأنني من أهل التكفير، وبالتحديد من الذين لا يكتفون بتكفير الحكام، بل يتعدون ذلك إلى تكفير العلماء والمجتمع بأسره. كما حاولوا إكراهي على الاعتراف بتنفيذ عمليات مسلحة معينة ضد أهداف مدنية، وعلمت فيما بعد عندما نقلت إلى الزنزانة الجماعية أن كل الشباب المعتقلين تقريبًا تعرضوا للإكراه على الاعتراف بالتكفير والعمل المسلح. هذا فيما يتعلق بالسعوديين، أما غير السعوديين فكانوا يخيرون بين أمرين، إما الاعتراف بأنهم يعملون لصالح مخابرات دولهم أو الاعتراف بأنهم ينتمون لجماعات العمل المسلح في بلدانهم. وكل من ظن أنه بالاعتراف سينجو من التعذيب، خاب ظنه، إذ تضاعفت شدة التعذيب ظنًا من المحققين بأن الاعتراف حقيقي، وأن وراء هذا المعترف المزيد من المعلومات والتفاصيل. فلا يزالون به معذبين حتى يعترف بأشياء أخرى يملونها عليه، وهكذا.

أدركت بعد انتقالى إلى الزنزانة الجماعية أن عدد المعتقلين كبير جدًا، حتى خيل إلى بأن كل المتدينين الشباب هم رهن الاعتقال في سجن الرويس. وعلمت أن عددًا من الشباب قد اعتقلت زوجاتهم أيضًا، وكان يجري التحقيق معهن على أيدي نفس الوحوش الضارية، فكدت أموت كمدًا وقهرًا. فهؤلاء المحققين لا يردعهم دين أو خلق عن إيقاع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت