الأذى بهؤلاء المعتقلات، ولم أكن أملك سوى أن أدعو لهن الله باللطف والحماية. أخبرني عدد من المعتقلين بأنهم هُددوا بإحضار محارمهم ليعتدى عليهن أمامه إذا لم يعترف، وعلمت كذلك أن بعض المعتقلين تتم تعريتهم تماما ثم يجمعون في غرفة واحدة ويعذبون وهم عرايا إمعانا في الإهانة والإذلال. وأدركت أن ما تعرضت له من جحيم لم يبلغ بعضًا مما تعرض له آخرون، فقد قلعت أظافر البعض، وحرم بعضهم من النوم أيامًا متتالية. ولازلت أتذكر صوت مسكين حرم من النوم تسعة أيام متواصلة، فكانت تنهال عليه السياط كلما قعد أو اضطجع، وكان المعذبون يتناوبون عليه للحيلولة دون نومه كما لو كانوا في نوبات"جهادية"لا يفرّطون قيد أنملة في منعه من النوم خشية أن تضيع البلاد.!! فقد المسكين أعصابه، وراح يصرخ بهستيرية، وهو في حالة من الجنون التام.
في الزنزانة الجماعية رأيت وسمعت ما لم يكن يخطر لي يومًا ببال. فقد حوى المعتقل نخبة من المجاهدين الذين كان يشار إليهم بالبنان لبسالتهم وتفانيهم في سبيل الله، منهم على سبيل المثال حسن السريحي الذي اعتقل في الباكستان وسُلم للملكة فتعرض على أيدي جلاوزة السلطان لتعذيب شديد ليعترف بتفجير الرياض. ورغم ثبوت عدم صلته بالموضوع من قريب أو بعيد، فلا يزال رازحًا في السجن على حاله، دون أن ينتصر له أحد أو تنصفه السلطات. وعلمت في فترة اعتقالي بوجود الشيخ الأستاذ محمد يوسف عباس، خليفة الشيخ عبدالله عزام رحمه الله في مكتب الخدمات، وعن وجود أبو عبدالعزيز، رائد المجاهدين في البوسنة، الذي يبلغ من العمر أكثر من خمسين عامًا، قضى كثيرًا منها في الجهاد في سبيل الله.
وعلمت خلال تلك الفترة بوجود زنزانة خصصت لمن يسمون بالمشاغبين، ممن لا يتعاونون مع المحققين. توجد الزنزانة خارج مبنى السجن الرئيسي في الشمس الحارقة، بها مرحاض لا تصريف له، فتظل مرتعًا للحشرات تكاد الروائح الكريهة المنبعثة منها تقتل من يمر بجوارها فكيف بمن يقطنها. وهذا يذكرني بشكل من أشكال المعاناة لا يسلم منها نزيل، ألا وهي مشكلة قضاء الحاجة، أي زيارة الحمام. فعدد الحمامات بالنسبة لعدد المعتقلين قليل جدًا، ولا يكاد الدور يصل المضطر من شدة الازدحام، حتى تعودنا على قضاء الحاجة في الزنزانة، وأخذ يعذر بعضنا بعضًا.
ما سمعته من روايات، وما شاهدته من آثار تعذيب جسدي ونفسي، مروع ومذهل. وحتى بعد الانتقال إلى الزنزانة الجماعية لم يتوقف التعذيب بشكل تام، بل كان الواحد منا يدعى لحفلات"الشواء"مرتين في الأسبوع على الأقل حتى يكون مادة سمر وصخب للذئاب البشرية. وفي كل استدعاء يختلق المحققون قصصًا، ويلفقون الاتهامات، من تهريب السلاح