ولأن مراعاة سلامة الباطن في هذا الجانب هو لصالح الإنسان المخطئ بخلاف جانب المؤاخذة والمحاسبة ففيه تقريع وتعذيب للمخالف، لذا لم يمضه النبي صلى الله عليه وسلم إلا ببينة ظاهرة تستدعي ذلك.
ودليلنا على ذلك موقفه صلى الله عليه وسلم من حاطب، ونحوه ذلك الرجل من الأنصار الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح البخاري: (أراك تحابي ابن عمتك!!) . وذلك لما حكم النبي صلى الله عليه وسلم للزبير بأن يسقي أرضه، ثم يرسل الماء إلى أرض جاره الأنصاري!
قلت: قول الأنصاري للنبي صلى الله عليه وسلم"أراك تحابي ابن عمتك!"؛ هو كفر أكبر، وطعن بحكم النبي صلى الله عليه وسلم، والذي حمل النبي صلى الله عليه وسلم على إقالة عثرته علمه صلى الله عليه وسلم بسلامة قصده وباطنه، وأن الذي صدر منه هو عبارة عن فلتة وزلة، وهذه ليست لأحدٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن العربي في الأحكام [5/ 267] : (كل من اتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحكم فهو كافر، لكن الأنصاري زل زلة فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وأقال عثرته لعلمه بصحة يقينه، وأنها كانت فلتة، وليست لأحدٍ بعد النبي صلى الله عليه وسلم) اهـ.
وهذا الذي قيل في موقف النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الأنصاري يُقال أيضًا في موقفه صلى الله عليه وسلم من حاطب بن أبي بلتعة.
والله تعالى أعلم.
فإن قيل: هل لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيل عثرات ترقى إلى درجة الكفر بناءً على سلامة قصد وباطن أصحابها؟
أقول: لا، لانقطاع الوحي، وهذا الذي يقصده عمر بن الخطاب رضي الله عنه من قوله: (إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم؛ فمن أظهر لنا خيرًا أمَّناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء، الله يُحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة) .
لذا نقول: من أظهر لنا الكفر البواح - من غير مانعٍ شرعي معتبر - أظهرنا له التكفير ولا بد.
وقوله رضي الله عنه: (كانوا يؤخذون بالوحي) ، يريد في جانب إقالة العثرات، وليس في جانب تطبيق الحدود وإنزال العقوبات، فتنبه لذلك.