3)ومن علامات صدق حاطب رضي الله عنه أنه صدَق النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله، ولم يواري عليه ما فعل، مما دل على سلامة باطنه وقصده، وبراءته من النفاق، بخلاف المرأة فإنها أنكرت وكذبت لما سئلت عن الكتاب، فقالت: (ما معي من كتاب"فزاد ذلك من جرمها وكفرها!"
ولو كان حاطب منافقًا لكذَب الحديث، لأن من خصال المنافق أنه إذا حدث كذب، ولكن لما صدق في الحديث، دل على صدق إيمانه وباطنه وأنه ليس منافقًا، وكان لذلك أثرًا ظاهرًا في منجاته وإقالة عثرته، كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي: (فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة) .
ومن حديث كعب بن مالك في قصة تخلفه عن الغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، يقول: يا رسول الله إنما أنجاني الله بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت، والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذَبْتُه فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذَبوا حين أنزل الوحي شرَّ ما قال لأحدٍ، فقال: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنمُ جزاءً بما كانوا يكسبون. يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} .
بينما أنزل الله في الثلاثة الذين صدَقوا الحديث - منهم كعب من مالك - قوله: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} إلى قوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم * يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 117 - 119] .
فتأمل كيف أن الصدق أنجاهم، وأقال عثرتهم، وكيف أن الكذب أردى أولئك الذين كذبوا الأعذار، وأوبق آخرتهم!
وهذا ينبغي أن يكون معتبرًا عند الحديث عن حاطب بن أبي بلتعة، وعن الأسباب التي أقالت عثرته.
4)إن مما أعان على إقالة عثرة حاطب كذلك أنه من أهل بدر، وبدر حسنة عظيمة تذهب السيئات، وتقيل العثرات، وتستدعي تحسين الظن بأهلها، وتوسيع دائرة التأويل لهم لو عثروا أو زلوا!