*** وفي (صحيح مسلم) وغيره قصة أبي ابن كعب -رضي الله عنه- في اختلاف القراءة بين القرَّاء، وفيها قوله: «فسقط في نفسي من التكذيب في الجاهلية، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقًا، وكأنما أنظر إلى الله فرقًا .. » [1] ... * ولا يرتاب عاقل أن إيمان هذا الصحابي الجليل عند تلك الغشية دون إيمانه قبلها وبعدها. وقد عرض لعمر بن الخطاب وغيره قصة الحديبية ما يشبه ذلك. وفي حديث الرجل الذي قاتل مع النبي -صلى الله عليه وسلم: هو من أهل النار: «فكاد بعض الناس يرتاب» .
ولا يرتاب عاقل أن المؤمنين يتفاوتون في التقوى تفاوتًا عظيمًا، وأعظم أسباب ذلك تفاوتهم في اليقين، فإننا نرى أحوالهم في اتقاء الضرر الدنيوي لا يتفاوت ذاك التفاوت. بل إنك تجد من نفسك أنه قد يقوى فترغب نفسك في الطاعة وعن المعصية، وقد يضعف فتتهاون بذلك. ... وكذلك تجد ذلك عندما تطلع على الأدلة أو الشبهات، فقد يقف العالم على عدة نصوص من الكتاب والسنة فيتبين له أن بعضها يصدق بعضًا، وقد يتراءى له أنها تتناقض. وقد يرى نصوصًا في العقائد، فيتبين له أن العقل موافق لها وقد يتراءى له أنه يخالفها. ويرى نصوصًا في الأحكام فيتبين له أنها موافقة للرأي والنظر والحكمة والقياس، وقد يتراءى له أنها مخالفة لذلك. ولا أدرى عاقلًا يتصور حاله وحال الملائكة والأنبياء ويقول: إن يقينه مثل يقينهم. ا. هـ [2] .
*يقول شيخ الإسلام: ..."وَالْمُرْجِئَةُ"الَّذِينَ قَالُوا: الْإِيمَانُ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ وَقَوْلُ اللِّسَانِ وَالْأَعْمَالُ لَيْسَتْ مِنْهُ، كَانَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ وَعُبَّادِهَا؛ وَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُمْ مِثْلَ قَوْلِ جَهْمٍ؛ فَعَرَفُوا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا إنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالْإِيمَانِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ.
(1) وقد قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مَعْنَى قَوْلِهِ سُقِطَ فِي نَفْسِي أَنَّهُ اعْتَرَتْهُ حِيرَةٌ وَدَهْشَةٌ قَالَ وَقَوْلُهُ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْطَانَ نَزَغَ فِي نَفْسِهِ تَكْذِيبًا لَمْ يَعْتَقِدْهُ قَالَ وَهَذِهِ الْخَوَاطِرُ إِذَا لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهَا لَا يُؤَاخَذُ بِهَا ا. هـ شرح مسلم للنووي (6/ 102)
(2) القائد إلى تصحيح العقائد (ص/129)