رابعًا: البيع وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة منهي عنه، لورود النص بهذا الحكم وهو قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى? ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ) ) [الجمعة:9] ، وعلة الحكم: هو ما في البيع من تعويق للسعي إلى الصلاة واحتماله تفويتها، وهذه العلة موجودة في الاستئجار أو الرهن أو النكاح في هذا الوقت، فيكون حكم هذه
التصرفات النهي عنها قياسًا على البيع.
183 -شروط القياس (1) :
عملية القياس لا تصح إلا إذا توافرت شروط خاصة؛ منها ما يتعلق بالأصل ومنها ما يتعلق ببقية أركان القياس.
فالذي يشترط في الأصل أن لا يكون فرعًا لأصل آخر، أي أن يثبث حكمه بنص أو إجماع. أما شروط الأركان الأخرى فتحتاج إلى شيء من التفصيل لا سيما شروط العلة.
184 -أولًا: شروط حكم الأصل:
أ- أن يكون حكمًا شرعيًا عمليًا، ثبت بنص من الكتاب أو السنة، أما إذا كان ثبوته
بالإِجماع فقد قال بعض الاصوليين: لا يصح القياس في هذه الحالة، لأن القياس يقوم على معرفة علة الحكم، وعلى أساس وجودها في الفرع يسوى بالأصل في حكمه، وهذا لا يتأتى فيما ثبت حكمه بالإِجماع، لأن الإِجماع لا يشترط فيه ذكر مستنده، ومع عدم ذكر المستند لا تعرف علة الحكم فلا يمكن
1 - «فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت» ج 2 ص 250 علا ومابعدهاو «المستصفى» 2 للغزاليج 2 ص 325 وما بعدها، الآمدي ج 3 ص 277 وما بعدها.
ا لقياس.
وقال آخرون: تصح تعدية الحكم إلى الفرع بالقياس، وإن كان ثبوت الحكم بالإِجماع، لأن معرفة علة الحكم لها طرق، منها: المناسبة بين الأصل وحكمه كما سيأتي بياته فيما بعد، فلا يضر عدم ذكر مستند الإِجماع ولا يحول هنا دون معرفة العلة. وهذا القول هو الراجح؛ أما إذا كان الحكم ثابتًا بالقياس وحده فلا يصح جعله أصلًا والقياس عليه، بل يجب القياس على الأصل المنصوص
على حكمه رأسًا.
ب - أن يكون معقول المعنى بأن يكون مبنيًا على علة يستطيع العقل إدراكها، لأن أساس القياس: إدراك علة الحكم، وإدراك تحققها في الفرع، حتى يمكن بهذا تعدية حكم الأصل إلى الفرع لاشتراكهما في العلة، فإذا تعذر على العقل إدراك العلة تعذر القياس، ولهذا قال العلماء: لا قياس في الأحكام التعبدية، وهي الأحكام التي استأثر الله بعلم عللها التي بنيت الأحكام عليها، ولم يجعل لأحد سبيلًا لمعرفتها: كأعداد الركعات، وتحديد جلد الزاني والزانية بمئة جلدة، وجلد القاذف ثمانين جلدة، والطواف حول الكعبة في الحج بعدد مخصوص، وكذا السعي بين الصفا والمروة بعدد معين، ونحو ذلك.
أما إذا كان حكم الأصل معقول المعنى، أي أنه مبني على علة يمكن للعقل إدراكها، فالقياس يمنح في هذه الحالة إذا ما عرفت العلة وعرف تحققها في الفرع، سواء أكان حكم الأصل من أحكام العزيمة، وهوما شرع ابتداء، أو كان من أحكام الرخصة، وهو ما شرع استثناء. فمن الأول: تحريم شرب الخمر ومع الوارث القاتل من الميراث. ومن الثاني: يبع العرايا (1) ، وأكل
الميتة، ونحوها من المحرمات عند الضرورة (2) .