فهرس الكتاب
ومثله أيضًا تشريع جلد الزاني والزانية لمصلحة حفظ الأنساب، وقطع يد السارق لحفظ الأموال، وهكذا.
والسنة سلكت هذا ا لمسلك فقد اقترن في معظمها ما يدل على القصد من تشريعها صراحة، مثل قوله عليه الصلاة والسلام:"يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر و أحصن للفرج".."فمن صلّى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض و الضعيف و ذا الحاجة". فالمقصود من تشريع الأحكام: تحقيق مصلحة العباد، وهذه المصلحة هي التي تسمى بحكمة الحكم أو مئنته، فحكمة الحكم: هي المصلحة من جلب نفع أو دفع ضرر أراد الشارع تحقيقها بتشريع ذلك الحكم.
إلا أن الملاحظ: أن الشريعة - غالبًا- لا تربط الحكم بحكمته وجودًا وعدمًا، وإنما تربطه بأمر آخر من شأن ربط الحكم به وابتنائه عليه أن يحقق حكمة الحكم، أي المصلحة المقصودة منه كما في إباحة الفطر في رمضان، فهذا الحكم لم يربط بحكمته وهي دفع المشقة، وإنما ربط بأمر آخر من سفر أو مرض لأن الشأن بهذا الربط أن يحقق حكمة الحكم.
والسبب في هذا المسلك: أن الحكمة قد تكون خفية لا يمكن التحقق من وجودها، فلا يمكن بناء الحكم عليها كما في إباحة البيع وسائر المعاوضات، فإن
حكمة إباحتها دفع الحرج عن الناس لسد حاجاتهم المشروعة، والحاجة أمر خفي، فربط الشارع الحكم بأمر آخر ظاهر هو مظنة تحقق الحاجة وهو الإيجاب والقبول.
وقد تكون الحكمة أمرًا غير منضبط، أي يختلف باختلاف الناس و تقديرهم، ولا يمكن بناء الحكم عليه لأنه يؤدي إلى الاضطراب والفوضى في الأحكام، فلا يستقيم أمر التكليف ولا يطَّرِد ولا ينضبط، و تكثر الادعاءات للتحلل من الأحكام.
فإباحة الفطر للمسافر في رمضان مثلًا: حكمتها دفع المشقة، وهي أمر تقديري غير منضبط، فربط الشارع هذا الحكم بأمر منضبط هو السفر أو المرض لأن كٌلًا منهما مظنة تحقيق حكمة الحكم. و مثله أيضًا: تشريع الشفعة لدفع الضرر، والضرر غير منضبط، فربط الحكم بالشركة أو الجِوار لأن الشريك أو الجار قد ينالهما الضرر من المشتري، فربط الحكم بهذين الأمرين مظنة دفع الضرر، و هو مقصود الشارع.
فالحكمة لخِفائها أو عدم انضباطها لم تُربط بها الأحكام غالبًا، وإنما رُبطَت بأمر ظاهر منضبط هو مظنة تحقق حكمة الحكم. و هذا الأمر الظاهر المنضبط هو الذى يسميه الأصوليون: علة الحكم أو مناطه أو مظنته.
188 -ومن هذا العرض يتبين لنا أن الفرق بين علة الحكم وحكمته: هو أن الحكمة هي المصلحة التي قصد الشارع تحقيقها بتشريعه الحكم، وأن العلة: هي الوصف الظاهر المنضبط الذي بٌني عليه الحكم، و ربط به وجودًا و عدمًا، لأنه مظنة تحقيق المصلحة المقصودة من تشريع الحكم، ولهذا يقول الأصوليون: الأحكام تربط بعللها لا بحكمها. بمعنى أن الحكم يوجد متى وٌجِدَت علَّتٌه، و إن تخلفت حكمته في بعض الأحيان، و أن الحكم ينتفي متى ما انتفت علته و إن وجدت حكمته في بعض الاحيان، لأن ربط الحكم بالعلة مظنة تحقق الحكمة، و الغالب هو تحققها، و إن تخلفت فعلى وجه الندرة و العبرة للغالب لا للنادر .. كحصول الطالب على درجة النجاح في الامتحان مظنة إلمامه بالعلوم و استيعابه لها و أهليته لإنهاء هذه المرحلة الدراسية.
وأيضًا: فإن ربط الأحكام بالعلل يؤدي إلى استقامة التكليف و ضبط الاحكام
واطرادها واستقرار أوامر التشريع العامة و وضوحها، وهذه فوائد عظام لا تؤثر فيها فوات الحكمة في بعض الجزئيات والوقائع في بعض الأحيان.
وعلى هذا: فمتى كان المسلم مسافرًا فله أن يُفطِر، وإن لم يجد مشقة، ومن كان مقيمًا فليس له الإفطار و إن وجد مشقة في عمله. ومتى كان شريكًا في عقار فله أن يمتلك حصة شريكه جبرًا بحق الشفعة إذا باعها من أجنبي، وإن لم يجد ضررًا من المشتري، لأن حق الشفعة ربط بالشركة أو الجوار لا بالضرر الفعلي، ومن لم يكن شريكًا أو مُجاورًا فليس له التملك بالشفعة وإن ناله أعظم الضرر من المشتري وملكية المبيع تنتقل إلى المشتري، وملكية الثمن إلى البائع، متى ما وجدت العلة وهي الإيجاب والقبول، وإن لم توجد الحاجة عند الطرفين وهكذا.