فهرس الكتاب
ولا ينتقص ما قلناه بذهاب بعض الفقهاء إلى عدم وقوع طلاق المكره أو بيعه، لأن العلة اعتبرت مناطًا للحكم باعتبارها مظنة للحكمة، فإذا قام الدليل القاطع عل انتقاء هذه المظنة عن العلة زالت العلة عنها، والإكراه - في نظر البعض من الفقهاء - دليل قاطع على انتفاء هذا المعنى عن العلة فلا تعتبر علة، فلا يوجد الحكم.
189 -وبعد أن بينا معنى العلة والفرق بينهما وبين الحكمة، نبين شروطها فيما يلي:
أولًا: أن تكون العلة وصفًا ظاهرًا:
ومعنى ظهوره أنه يمكن التحقق من وجوده في الأصل وفي الفرع، لأن العلة هي علامة الحكم ومعرفة له، أي بوجوهها في الفرع يكون حكمه حكم الأصل، فإذا كانت العلة خفية لا تدرك بالحواس لا يمكن أن تدل على الحكم. فلابد إذن أن تكون العلة ظاهرة غير خفية: كالإسكار في الخمر، فإنه علت تحريمها هو وصف يمكن التحقق من وجوده في كل نبيذ مسكر. ولهذا إذا كانت العلة وصفًا خفيًا أقام الشارع مقامه أمرًا ظاهرًا هو مظنته يدل عليه: كالتراضي في المعاوضات، وهو أساس نقل الملكية، وعلته: أمر خفي يتعلق بالقلب
وخلجات النفس ولا سبيل إلى إدراكه فلا يصلح أن يكون هو العلة، لهذا أقام
المشرع مقامه أمرًا ظاهرًا وهو صيغة العقد.
وكذلك القتل العمد العدوان هو علة القصاص، ولكن العمدية أمر نفسي لايعرفه إلا من قام فيه، فأقام الشارع مقامه أمرًا ظاهرًا يقترن به ويدل عليه وهو الآلة التي يستعملها القاتل التي من شأنها القتل، كالسيف والمسدس والبندقية.
وكذلك حصول نطفة الزوج في رحم زوجته بملامسته لها هو علة ثبوت النسب، ولكن هذا الأمر شيء خفي لا سبيل للاطلاع عليه والتأكد منه، فأقام الشارع مقامه امرًا ظاهرًا يدل عليه وهو عقد الزواج الصحيح، أو هذا العقد مع إمكان الدخول أو مع الدخول فعلًا، على اختلاف بين الفقهاء.
ثانيًا: أن تكون وصفًا منضبطًا:
ومعنى ذلك: أن يكون الوصف محددًا، أي ذا حقيقة معينة محدودة لا تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، أو تختلف اختلافًا يسيرًا لا يؤبه به: كالقتل في حرمان القاتل من الميراث، له حقيقة معينة محدودة لا تختلف باختلاف القاتل والمقتول، فيمكن أن يقاس على القاتل الوارث القاتل الموصى له. والإسكار علة لتحريم الخمر، وله حقيقة معينة محددة هي ما يعتري العقل من اختلال، وهذه الحقيقة ثابتة لذات الخمر، ولا يهم كون الشخص لم يسكر لعارض ما، ويمكن تحقيق هذه الصفة - الإسكار - في كل نبيذ مسكر، وكون الأنبذة قد تختلف فيما بينها في قوة الإسكار وضعفه لا يهم، لأنه اختلاف يسير لا يؤثر في حقيقة الإسكار ووجوده فلا يلتفت إليه.
والسبب في هذا الشرط: هو أن أساس القياس مساواة الفرع للأصل في علة الحكم التي يترتب عليها المساواة في نفس الحكم، فإذا لم تكن العلة محددة لا يمكن الحكم بمساواة الفرع للأصل فيها. ولهذا وجدنا الشارع - إذا كان الوصف غير منضبط - يقيم مقامه أمرًا منضبطًا هو مظنته: كالمشقة التي هي علة إباحة الفطر في
رمضان، لكونها غير منضبطة أقام الشارع مقامها أمرًا منضبطًا هو مظنة الشقة وهو السفر والمرض، قال تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ] البقرة:184 [
ثالثًا: أن تكون وصفًا مناسبًا للحكم:
ومعنى مناسبة الوصف للحكم: ملائمته له، أي أن ربط الحكم به مظنة تحقق حكمة الحكم، أي أن المصلحة التي قصدها الشارع بتشريع الحكم تتحقق بربطه بهذا الوصفة، مثل: القتل العمد العدوان وصف مناسب وملائم لربط القصاص به، أو لربط الحرمان من الميراث به إذا كان المقتول مورثه، لأن الشأن بهذا الربط أن يحقق الحكمة من تشريع الحكم وهو كف النفوس عن العدوان، وحفظ نفوس الناس من الهلاك. والإسكار وصف مناسب لتحريم الخمر، لأن في بناء الحكم على هذا الوصف حفظًا للعقول من الفساد. والسرقة وصف مناسب لتشريع إيجاب قطع يد السارق والسارقة، لأن ربط القطع