فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 243

بالسرقة من شأنه حفظ أموال الناس. والسفر في رمضان وصف مناسب للحكم بإباحة الإفطار، لأن بهذا الربط يغلب تحقق حكمة الحكم، أي دفع المشقة.

فالباعث الحقيقي على تشريع الحكم: هو تحقيق حكمته، ولو كانت هذه الحكمة ظاهرة مضبوطة في جميع الأحكام لكانت هي العلة، ولكن لعدم ظهورها أو عدم انضباطها أقيم مقامها أوصاف ظاهرة منضبطة مناسبة هي مظنة تحقيقها.

وبناء على هذا الشرط لا يصح التعليل بالأوصاف التي لا مناسبة ولا ملائمة بيها وبين الحكم، وهي التي تسمى بالأوصاف الطردية، أو الاتفاقية، مثل: لون الخمر سيولتها وطعمها، فلا يصلح شيء من ذلك أن يكون وصفًا مناسبًا لتحريم الخمر. وكذلك كون السارق غنيًا أو ذا جاه أو بدويًا، وكون المسروق منه فقيرًا أو عاملًا، لا يصلح شيء من هذه الأوصاف أن يكون وصفًا مناسبًا للحكم بقطع يد السارق والسارقة. وكذلك كون القاتل العمد عدوانًا رجلًا أو امرأة او عراقيًا أو مثقفًا

أو جاهلًا، لا يصلح أن يكون وصفًا مناسبًا لإيجاب القصاص أو للحكم بحرمانه من الميراث إذا كان قتيله هو مورثه.

رابعًا: أن تكون العلة وصفًا متعديًا:

ومعنى ذلك: أن لا يكون هذا الوصف مقصورًا على الأصل، لأن أساس القياس: مشاركة الفرع للأصل في علة الحكم، إذ بهذه المشاركة أو التسوية يمكن تعدية حكم الأصل للفرع، فإذا علل بعلة قاصرة على الأصل، أي لا توجد في غيره، انتفى القياس لانعدام العلة في الفرع: كالسفر علة لإباحة الفطر للمسافر أو للمريض، وهذه العلة لا توجد إلا في مسافر أو مريض، فهي إذن قاصرة عليهما لا تتعداهما إلى غيرهما، كالعامل في منجمه، أو النوتي في سفينته، وإن كانا يتحملان المشاق العظيمة في عملهما، بخلاف الإسكان الذي هو علة تحريم الخمر وهو وصف يوجد في كل نبيذ مسكر، فهو غير قاصر على الأصل.

خامسًا: أن تكون العلة من الأوصاف التي لم يلغ الشارع اعتبارها:

أي لم يقم الدليل الشرعي على إلغاء هذا الوصف وعدم اعتباره، فقد يبدو للمجتهد لأول وهلة أن وصفًا معينًا يصلح أن يكون وصفًا مناسبًا لحكم معين ولكنه في الواقع يصادم النص ويخالف الدليل الشرعي، فلا يكون لهذا الوصف اعتبار ولا مناسبة للحكم، لأن ما يخالف الدليل باطل قطعًا، فمن ذلك: ما قد يلوح للمجتهد من أن جعل كفارة الإفطار في رمضان بالوقاع صيام ستين يومًا، ابتداءً بالنسبة للقادر على العتق هو المناسب لتحقيق حكمة الكفارة، وهي الزجر والردع. ولكن هذا الرأي خطأً قطعًا، وبالتالي لا يكون كون الشخص المفطر قادرًا على العتق وصفًا مناسبًا لإيجاد الصوم عليه ابتداء، لأن هذا القول مصادم للنص الوارد في الشرع و فيه ترتيب الكفارة ابتداء من عتق رقبة، ثم صيام ستين يومًا لمن لم يستطع العتق، ثم إطعام ستين مسكينًا لمن لم يقدر على الصيام. و على هذا خطأ الفقهاء القاضي الأندلسي الذي أفتى أحد الخلفاء في الأندلس من أن كفارة إفطاره بالوقاع هي صيام ستين يومًا، بحجة أن الخليفة قادر على العتق فلا يزجره هذا النوع من الكفارة.

وكذلك اعتبار اشتراك الذكر والأنثى في البنوة وصفًا مناسبًا للحكم بالتسوية بينهما في الميراث خطأ قطعًا، لأن الشارع أهدر مناسبة هذا الوصف للحكم المقترح بدليل قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ -إلى قوله تعالى فريضةٌ من الله} ] النساء:11 [

وكذلك إذا قال بعض الناس: إن اشتراك الرجل والمرأة في عقد النكاح وصف مناسب للقول بوجوب اشتراكهما في حق الطلاق، كان قوله قولًا باطلًا لأن الأدلة الشرعية دلت على أن الطلاق بيد الرجل لا المرأة ويجوز أن يكون لها أيضًا إذا اشترطته لنفسها في العقد، مما يدل على أن الشارع ألغى مناسبة الوصف الذي توهّمه القائل وهو تسوية الرجل و المرأة في عقد النكاح، للقول بالحكم المقترح وهو تسويتهما في حق الطلاق.

190 -المناسبة بين الحكم و العلة (1) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت