فهرس الكتاب
قلنا: إن من شروط العلة أن تكون وصفًا مناسبًا للحكم، أي تكون مظنة تحقيق حكمة الحكم والغرض المقصود من تشريعه، وهذه المناسبة ليست متروكة لأهواء النفس وما تشتهيه، بل لها ضوابط محكمة، فلا تثبت المناسبة إلا باعتبار الشارع لها بنوع من أنواع الاعتبار، ولهذا قسم الأصوليون الوصف المناسب من جهة اعتبار الشارع له و إلغائه إلى الأقسام الآتية:
191 -أولًا: المناسب المؤثر:
وهو الوصف الذى دل الشارع على أنه اعتبره بعينه علة للحكم ذاته، أي للحكم الذي شرعه بناء عليه، و هذا أتم وجوه الاعتبار للوصف، وسمي بالمناسب المؤثر، لأن الشارع باعتباره له هذا الاعتبار التام كأنه قد دل على أن الحكم نشأ عنه أو أنه أثر من آثاره، وهذا أعلى أنواع المناسب، ولا خلاف في صحة القياس عليه عند القائلين بالقياس، مثاله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ} ] البقرة:222[فالحكم بإيجاب الاعتزال في المحيض ثابت بهذا النص،
(1) الآمدي ج 3 ص 405 و ما بعدها، (( فواتح الرحموت ) )ج 2 ص 255 و ما بعدها.
وصياغته صريحة في أن الأذى الناشئ عن المحيض هو علة الحكم، فهو- أي الأذى - وصف مؤثر .. ومنه أيضًا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنّما نَهَيْتُكم لأجلِ الدّافة» ، أي نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الأعراب الوافدين على المدينة و حاجتهم إلى الطعام، فهذا النص صريح في أن علة النهي عن الادخار هي الدافة، فالدافة وصف مناسب مؤثر، ومثاله أيضًا: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} ] النساء:6 [فهذا النص القرآني يشير إلى أن الولاية المالية على من لم يبلغ الحلم تثبت لوليه، و أن علة هذا الحكم هي الصغر، وقد انعقد الإجماع على هذا، أي أن الصغر هو علة الحكم بالولاية على مال الصغير.
192 -ثانيًا: المناسب الملائم:
وهو الوصف الذي لم يقم دليل من الشارع على اعتباره بعينه علة لحكمه، وإنما قام دليل شرعي من نص أو إجماع على اعتباره بعينه علة لجنس الحكم، أو اعتبار جنسه علة لعين الحكم، أو اعتبار جنسه علة لجنس الحكم.
فإذا علل المجتهدُ حكمًا شرعيًا بهذا النوع من المناسب يكون تعليله ملائمًا لنهج الشارع في التعليل وبناء الأحكام، فيكون تعليله سائغًا والقياس عليه صحيحًا.
ونضرب فيما يلي بعض الأمثلة على وجوه هذا النوع من المناسب:
أ - مثال الوصف الذي اعتبر الشارع عينه علة لجنس الحكم: ثبوت الولاية للأب على تزويج ابنته البكر الصغيرة؛ والعلة في هذا الحكم - على رأي الحنفية: هي الصغر لا البكارة، محتجين بأن الشارع شهد لهذا الوصف بالاعتبار حيث جعله علة للولاية على المال، وحيث أن هذه الولاية والولاية على التزويج من جنس واحد، هو الولاية المطلقة، فكأن الشارع اعتبر الصغر علة لكل ما هو من جنس الولاية، أي لجميع أنواع الولاية، فيكون الصغر هو الوصف المناسب الذي نيط به الحكم بالولاية على تزويج الصغيرة، سواء أكانت بكرًا أو ثيّبًا.
ب - و مثال الوصف الذي اعتبر الشارع جنسه علة لعين الحكم: جمع الصلاة في
اليوم المطير عند من أخذ به من الفقهاء: كالإمام مالك، فالسنة وردت بجواز الجمع في اليوم المطير ولكن لم تبين صراحة عنه هذا الحكم، ولكن وجد أن الشارع اعتبر وصفًا من جنس هذا الوصف - أي المطر- علة لحكم الجمع، و هو السفر، لأن كلا من السفر و المطر جنس واحد و هو كونه مظنة المشقة التي يناسبها التيسير والتخفيف عن المكلفين، وإن الحكم بإباحة جمع الصلاة عند السفر هو عينه الوارد عند المطر. فاعتبار الشارع السفر علة لجمع الصلاتين، تخفيفًا عن