202 -حجية القياس:
(1) ذهب بعض الأصوليين الى أن حرمة ضرب الوالدين ثابتة بالنص لا بالقياس لأن علة النص المحرم للتأفيف هو الإيذاء و هو معنى واضع مفهوم لا يحتاج إلى استنباط. يعرفه كل من يعرف اللغة العربية. وهذا المعنى واضح في الضرب ونحوه بشكل أوضح و يعرف بلا جهد أو استنباط، فيكون التأفيف محرما بعبارة النص و الضرب و نحوه محرما بدلالة النص.
قلنا: إن القياس يعتبر حجة شرعية ودليلًا من أدلة الأحكام على رأي الجمهور من الفقهاء. وخالف في ذلك الظاهرية وبعض المعتزلة والجعفرية (1) ، والآن وقد بينا حقيقة القياس وأركانه وشروطه وضوابطه نبين ما استدل به المثبتون للقياس والنافون له.
203 -أدلة القائلين بالقياس:
احتج القائلون بالقياس بجملة أدلة من الكتاب والسنة وعمل الصحابة
والمعقول. ونحن نوجز أهم هذه الأدلة ونذكر خلاصتها فقط.
اولًا: جاء في القرآن الكريم: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر:2] و قد ذكر الله تعالى هذا بعد بيانه لما جرى"لبني النضير"من نكال في الدنيا بسبب كفرهم و كيدهم للرسول صلى الله عليه و سلم وللمؤمنين، ومعنى هذه الآية: تأملوا يا أصحاب العقول السليمة، واحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم إن فعلتم مثل فعلهم، فإن سنة الله واحدة تجري على الجميع، وإن ما يجري على شيء يجري على نظيره. وليس معنى القياس إلا هذا، يوضحه أن «الاعتبار» يعني الانتقال من الشيء إلى غيره، لأنه مشتق من العبور، يقال: عبرت النهر: إذا جاوزته بالابتعاد عن هذه الجهة إلى الجهة الأخرى، وما القياس إلا انتقال بالحكم من المقيس عليه الى المقيس. ولما كان"الاعتبار". مأمورًا به بنص هذه الآية، والقياس فرد من أفراد الاعتبار فيكون القياس مأمورًا به والمأمور به واجب، والواجب مشروع غير محظور، فيكون القياس حجة شرعية ودليلًا معتبرًا يلزم العمل بمقتضاه. ولا يقال: إن هذا الاستدلال غير متوجه ولا مقبول، لأن"الاعتبار"معناه الاتعاظ، لا يقال هذا لأن حمل
(1) الا ان علماء الجعفرية يأخذون بمنصوص العلة ويعتبرونه حجة ويجعلون ثبوت الحكم في هذه الحالة للفرع بالنص لا بالقياس. كما أنهم يأخذون بقياس الاولى ولا يسمونه قياسا و يعتبره بعضهم من قبيل منصوص العلة أيضا كحرمة ضرب الوالدين المستفاد من قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفّ} وما عدا ذلك من القياس لم يأخذ به علماء الجعفرية وهذا هو المنقول عنهم قاطبة الا ابن الجنيد: انظر"أصول الاستنباط"تأليف العلامة السيد علي تقي الحيدري ص 258 - 259.
معنى الاعتبار على الاتعاظ لا ينفي الاستدلال بالآية، لأن الاتعاظ لا يأتي إلا إذا كان النظير يأخذ حكم نظيره، كما لو قيل: إن فلانًا فصل من وظيفته لخيانته، فاتعظوا أيها الموظفون، أو إن الطالب الفلاني رسب لكسله، فاتعظوا أيها الطلاب، فلا معنى لهذا الكلام إلا إذا حمل على أن من يفعل فعل الموظف المفصول يفصل، وهن يفعل فعل الطالب الراسب يرسب.
ثانيًا: في حديث معاذ المشهور - لما أرسله النبي صلى الله عليه و سلم قاضيًا إلى اليمن، وسأله بم تقضي أجاب معاذ: بالكتاب، ثم بالسنة، ثم بالاجتهاد، فأقره النبي صلى الله عليه و سلم على هذا الترتيب، وما القياس إلا نوع من أنواع الاجتهاد بالرأي، فيكون مشروعًا ودليلًا من أدلة الأحكام.
ثالثًا: وفي السنة آثار كثيرة تدل على أن النبي صلى الله عليه و سلم نبه إلى القياس ودل على صلاحيته لاستنباط الأحكام، ومن ذلك ما روي أن عمر بن الخطاب جاء الى النبي صلى الله عليه و سلم، فقال: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرًا