فهرس الكتاب
ومثاله: قوله تعالى: (( فَمنْ شَهِدَ مِنْكُم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) ) [البقرة:185] فالعموم الوارد فيه يشمل كل من حضر شهر الصوم، فيجب عليه صيامه، ولكن خص هذا العموم بمن عدا المريض والمسافر بدليل ما جاء بعده من كلام مستقل متصل به، وهو قوله تعالى: (( وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) )فالمريض والمسافر غيرمشمولين بعموم النص القاضي بوجوب الصيام على من شهد الشهر.
ثانيًا: الكلام المستقل المنفصل:
وهو الكلام التام بنفسه، ولكنه غير موصول بالنص الوارد فيه اللفظ العام.
ومثاله: قوله تعالة: (( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ) )[البقرة:
1 - (( الموافقات ) )للشاطبي ج 3 ص 181 وما بعدها، (( تيسير التحرير ) )ج 1 ص 375 وما بعدها، البيضاوي ص 54 وما بعدها، الآمدي ج 2 ص 416 وما بعدها، (( شرح مسلم الثبوت ) )ج 1 ص 300 وما بعدها، المحلاوي ص 72، (( التوضيح ) )ج 1 ص 42، (( سلم الوصول لعلم الأصول ) )ص 191،
228] ، فلفظ «المطلقات» عام يشمل كله مطلقة، مدخول بها أو غير مدخول بها، فتجب عليها العدة بما ذكر من القروء، ولكن هذا العموم خص بالمطلقات المدخول بهن، أي أن النص ينصرف إلى المدخول بهن دون غيرهن، بقوله تعالى -وهو المخصص هنا: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ) ) [الأحزاب: 49] . ومثله قوله تعالى: (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ ) ) [المائدة:3] عام في كل ميتة
فيكون حكمها التحريم، ولكن خص بغير ميتة البحر، لقول الني صلى الله عليه وسلم عن البحر: (( هو الطَّهُورُ ماُؤه، الحِلُّ مَيْتَتُهً ) ).
ومثاله أيضًا: قوله تعالى، في القذف وعقوبته: (( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ) [النور: 4،5] ، أفاد هذا النص عموم القاذفين، لأن اللفظ (( الذين ) )عام، فيدخل فيه الأزواج وغيرهم إذا قذفوا، كما يدخل في عموم لفظ (( المحصنات ) )زوجات القاذفين وزوجات غيرهم، فيجب حد كل قاذف زوجًاكان أو غير زوج، ولكن هذا العموم المستفاد من هذا النص خص بغير الزوج، بدليل قوله تعالى: (( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) ) [النور: 6 - 9] فهذا النص خصص عموم النص الأول، وجعله قاصرًا على غير الأزواج إذا قذفوا، أما الأزواج إذا قذفوا زوجاتهم فيشملهم ما جاء بالنص المخصص. وهذا على رأي الجمهور، لأنهم لايشترطون في المخصص أن يكون مقارنًا للعام. أما الحنفية، فلا يعتبرون هذا تخصيصًا بل يعتبرونه نسخًا جزئيًا، أي إن النص الثاني نسخ من حكم العام ما يتعلق بالأزواج وقذفهم لزوجاتهم، فأبطل حكم العام عنهم، وخصهم بحكم دون غيرهم.
ثالثًا: العقل (1) :