فهرس الكتاب
وهو يصلح أن يكون دليلًا على تخصيص جميع النصوص المشتملة عل تكليفات شرعية، بقصرها على من هم أهل للتكليف دون غيرهم من صغار ومجانين، وقد أيد الشرع دليل العقل، فجعل مناط التكليف البلوغ مع العقل، كما ذكرنا من قبل.
ومثال التخصيص بالعقل، قوله تعالى: (( أَقِيمُوا الصَّلَاةَ ) ) (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ) )، ونحوذلك من النصوص العامة في التكليفات الشرعية، كلها خصت بغير الصغار والمجانين، والمخصص هو العقل، والشرع دل على ما دل، عليه العقل.
وكذلك النصوص العامة، التي لا تشتمل على تكليفات، ولكن العقل يقضي بتخصيصها، مثاله قوله تعالى: (( الله خَالِقُ كُلَّ شَيْءٍ ) ) [الزمر:62] خاص بما عدا الله جل جلاله، فهو الدائم الباقي غير المخلوق.
وكذلك قوله تعالى: (( والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ ) )فلا تشمل القدرة خلق الله نفسه لما قلناه آنفًا.
رابعًا: العرف (2) :
وهو يصلح أن يكون مخصصا للفظ العام، وهذا مذهب المالكية، قال القرافي: وعندنا العوائد مخصصة للعموم. ومن أمثلة تخصيص العموم بالعرف ما قالوه في قوله تعالى: (( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ? لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) ) [البقرة:233] إنه خص بغير الوالدات اللاتي ليس من عادتهم إرضاع ل أولادهن.
ومنه ايضا: تخصيص لفظ الطعام الوارد في الحديث: (( نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام بجنسه متفاضلًا ) )، بالطعام الذي كان يطلق عليه هذا الاسم عرفًا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذهب إلى هذا غير واحد من العلماء.
ومنه أيضًا: قول الله تعالى عن الريح التي دمرت بعض الأمم الظالمة، (( تُدَمِّرُ
1 - (( المسودة ) )ص 118،الآمدي ج 2 ص 459 - 465.
2 - (( المسودة ) )ص 123 - 124، (( الفروق ) )للقرافي ج 1 ص 187.
كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا )) [الأحقاف: 25] أي تدمركل شيء جرت العادة بتدميره بمثل
هذه الريح، بدليل ما ذكره الله تعالى بعد هذه العبارة، وهوقوله تعالى: (( فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ ) ) (1) .
ومنه أيضًا ما قاله تعالى عن ملكة سبأ: (( وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ) ) [النمل: 23] أي أوتيت من كل شيء مما يحوزه أمثالها من ذوي الحكم والسلطان (2) .
ومن التخصيص بالعرف ما إذا أوصى (( بدوابه ) )، وكان في بلد يقضي عرفه بإطلاق هذا الاسم على الخيل ققط دون غيرها من الدواب، فإن وصيته تحمل على الخيول دون ما عنده من أبقار وأغنام.
286 -المخصص المتصل، أي غير المستقل (3) :
وهو، كما قلنا: ما كان جزء مِن عبارة النص التي اشتملت على اللفظ العام.
فهو، إذن، كلام غير تام بنفسه، وهوأنواع:
أولًا: الاستثناء:
الاستثناء: هو عبارة عن لفظ متصل بجملة، وهذا اللفظ لا يستقل بنفسه بل بحرف (( إلا ) )أو أخواتها، على أن مدلوله غيرمراد مما اتصل به، وهو ليس بشرط ولا صفة ولا غاية.