فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 243

56 -المانع: هو ما رتب الشارع على وجوده عدم وجود الحكم أو عدم السبب أي بطلانه، وهو نوعان: مانع للحكم، ومانع للسبب (1) .

الأول: مانع الحكم: وهوما يترتب على وجوده عدم وجود الحكم بالرغم من وجود سببه المستوفي لشروطه.

وإنما كان المانع حائلًا دون وجود الحكم: لأن فيه معنى لا يتقن وحكمة الحكم، أي لا يحقق الغرض المقصود من الحكم: كالأبوة المانعة من القصاص، فالأب لا يقتل قصاصًا إذا قتل ابنه عمدًا و عدوانًا، وإن كانت الدية تلزمه، لأن حكمة القصاص: الردع والزجر، وما في الأبوة من حنان وعطف وشفقة على الابن يكفي لزجره و ردعه، فإيجاب القصاص على الأب لا يحقق حكمة القصاص والغرض منه، وهو الزجر والردع، فالأب لا يقدم على قتل ابنه عمدًا وعدوانًا إلا في أحوال شاذة لا تستدعي تقرير القصاص منه، بل تستدعي استثناءه (2) . كما ان الأب سبب حياة الابن، فلا يكون الابن سبب إعدام الأب (3) .

الثاني: مانع السبب: وهو الذي يؤثر في السبب بحيث يبطل عمله، ويحول دون اقتضائه للمسبب، لأن في المانع معنى يعارض حكمة السبب،

(1) الأمدي، ج 1 ص 185.

(2) هذا عند الجمهور وحجتهم الحديث الشريف (( لا يقتل والدٌ بولده ) ).

(3) قد تعارض هذه الحجة بأن سبب إعدام الأب: هو فعله، فيبقى التعلل الذي ذكرناه سليمًا.

ومثاله: الدين المنقص للنصاب في باب الزكاة، فالنصاب سبب لوجوب الزكاة، لأن

ملكية النصاب مظنة الغنى، والغني قادر على عون المحتاجين، ولكن الدين يعارض

هذا المعني الملحوظ في سبب الزكاة - وهو الغنى - و يهدمه، لأن ما يقابل الدين من

مال مالك النصاب، ليس ملكه على الحقيقة، فلا تكون ملكية النصاب مظنة الغنى، فلا يكون في النصاب المعني الذي من أجله صار سببًا للزكاة، وبالتالي: لا يكون سببًا مفضيًا إلى مسببه، وهو وجوب الزكاة.

و مثله أيضًا: قتل الوارث موروثه، فهو مانع للسبب - كالقرابة ونحوها- من أن يأخذ مجراه، ويفضي إلى مسببه: وهو الإرث، لأن في هذا المانع معنى يهدم الأساس الذي قام عليه الإرث: و هو اعتبار الوارث خليفةً للمورِّث، وما كان بينهما من نصرة وموالاة دائمة، فهذه المعاني لا تتفق بحال مع جناية القتل التي تهدم هذه المعاني.

ومثله أيضًا: اختلاف الدين أو الدار، فكل منهما مانع للسبب (1) .

والمانع من حيث هو مانع: لا يدخل في خطاب التكليف، فليس للشارع قصد في تحصيله ولا في عدم تحصيله، وإنما مقصود الشارع: بيان ارتفاع حكم السبب، أو بطلان المسبب إذا وجد المانع. فلا يطالب المكلف بإيفاء الدين الذي عليه إذا كان عنده نصاب الزكاة لتجب عليه الزكاة، كما ان مالك النصاب غير ممنوع من الاستدانة حتى لا تسقط عنه الزكاة.

و لكن لا يجوز للمكلف أن يتقصد إيجاد المانع للتهرب من الأحكام الشرعية، فهذا من باب الحيل، و الحيل لا تحل في شرع الإسلام و يأثم صاحبها، كالذي يهب بعض ماله لزوجته تنقيصًا لنصاب الزكاة قبل مرور الحول، ثم يسترده بعد الحول من زوجته هربًا من الزكاة (2) .

(1) اعتبار قتل الوارث مورثه، و اختلاف الدين أو الدار، موانع السبب في الميراث، هو ما ذهب اليه البعض، و ذهب آخرون الى إعتبار هذه الموانع للحكم لا للسبب. و لكن اعتبارها موانع للسبب أولى، و هو ما اخترناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت