فإذا ما وفيت ديون الميت وصفيت تركته فنيت ذمته وتلاشت، لأن وجودها كان لضرورة إيفاء الحقوق وتصفية التركة، والضرورة تقدر بقدرها،
فإذا زالت الضرورة وجب اعتبار الذمة معدومة تمامًا، وهو واقعها حقيقة.
105 -القول الثالث: إن ذمة الميت تبقى ولا تفنى، فتبقى مشغولة بالديون، ويطالب القيم على التركة بأدائها منها.
وترتب على هذا الرأي: جواز كفالة الدين عمن مات مفلسًا، وعدم سقوط الدين عنه حتى ولو لم يتقدم أحد لكفالته.
ويحتجون لرأيهم في عدم سقوط الدين عن الميت المفلس وجواز كفالته: أن التبرع عن الميت بأداء دينه صحيح، ويثبت للدائن حق الاستيفاء من المتبرع، وهذا الحق أعلى من حق المطالبة مما يدل على بقاء الدين.
وأيضًا: فإن كفالة الحي المفلس صحيحة مع تعذر الاستيفاء، فتصح كفالة الميت المفلس أيضًا، ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز
كفالة الدين بعد الموت.
فإذا ما سويت ديون الميت، وصفيت تركته، تلاشت عند ذاك ذمته ولم يعد يتمتع بأي شئ من أهلية الوجوب.
المطلب الثانى
العوارض المكتسبة
أولًا: الجهل
106 -الجهل لا ينافي الأهلية، وإنما قد يكون عذرًا في بعض الأحوال، وهو إما أن يكون في دار الإسلام أو في غير دار الإسلام، أي دار الحرب.
107 -الجهل في دار الإسلام:
القاعدة: إن الجهل لا يعد عذرًا في دار الإسلام، لأن العلم فيها مفروض على من فيها، فلا يعذر المسلم بجهله الأحكام العامة الواضحة التي لا رخصة لأحد في جهلها، وهي الثابتة بالكتاب والسنة المتواترة أو المشهورة، أو التي انعقد عليها الإجماع: كوجوب الصلاة والصيام، وكتحريم الخمر والزنا وقتل النفس بغيرحق، وحرمة الاعتداء على مال الغير ونحو ذلك (0) ولا يستثنى من ذلك الذمي، فلا يعذر بالجهل بما يطبق عليه من أحكام الإسلام: كالقصاص وحد الزنا والسرقة، لأنه مقيم في دار الإسلام، والعلم في دار الإسلام مفترض في الجميع. ولهذا لو أسلم فشرب الخمر وجبت عليه العقوبة، لأن تحريم الخمر شائع ومشتهر في دار الإسلام فلا يعذر أحد بجهله.
ومثل ما ذكر - في عدم اعتبار الجهل عذرًا - جهل من خالف باجتهاه صريح الكتاب أو السنة المشهورة. فمن الأول: القول بحل الذبيحة التي تركت التسمية عليها عمدًا، قياسًا على متروك التسمية سهوًا فإنه مخالف لقوله تعالى: (( وَلَا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّه عَلَيْهِ ) ) [الأنعام: 121] ، ومن الثاني: القول بالتحليل بدون
وطء لمخالفته للسنة المشهورة (1) .
إلا أن الجهل يكون عذرًا في موضع الاجتهاد الصحيح الذي لا يخالف الكتاب أو السنة المشهورة أو الإجماع، كما في عفو احد وليي القتيل عن القصاص (2) ، وكالنكاح بلا شهود اكتفاء بالإعلان (3) .
ويلاحظ هنا: ان ولي الأمر - السلطة العامة - إذا اختار أحد الآراء الاجتهادية وأمر باتباعه، وأعلن ذلك بحيث شاع الإعلان، ففي هذه الحالة يلحق هذا الرأي الاجتهادي المختار بلأحكام العامة الثابتة، فلا يعذر أحد بلجهل به، ولا يعتد