فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 243

وكما أن المعنى بالأحكام الشرعية لا غنى له عن هذا العلم، فإن المعني بالقوانين الوضعية، من محام أو قاض أو مدرس، يحتاح هو اللآخر إلى هذا العلم، لان القواعد والأصول التي قررها علم الأصول، مثل: القياس وأصوله، والقواعدالأصولية لتفسير النصوص، وطرق دلالة الألفاظ والعبارات على معانيها، ووجوه هذه الدلالة، وقواعد الترجيح بين الأدلة، كل ذلك وغيره تَلْزَمْ الإحاطة به من قِبَلِ من يتصدى للقوانين الوضعية، ويريد الوصول الى تفسيرها ومعرفة ما انطوت عليه من أحكام، ولهذا فقد اعتنت كليات الشريعة والحقوق في العراق والشام ومصر وغيرها- قديمًا وحديثًا- بتدريس هذا العلم لطلابها.

7 -نشأة علم أصول الفقه:

أصول الفقه وجد منذ أن وجد الفقه، فما دام هناك فقه لزم حتمًا وجود أصول

وضوابط وقواعد له، وهذه هي مقومات علم الأصول وحقيقته، ولكن الفقه سبق علم الأصول في التدوين وإن قارنه في الوجود، بمعنى ان الققه دون، وهذبت مسائله، وأرسيت قواعده، ونظمت أبوابه قبل تدوين قواعد أصول الفقه، وتشذيبها وتمييزها عن غيرها، وهذا لا يعني أنه ينشأ إلا منذ تدوينه، وانه لم يكن موجودًا قبل نلك، أو أن الفقهاء ما كانوا يجرون في استنباطهم للأحكام على قواعد معينة، ومناهج ثابته، فالواقع أن قواعد هذا العلم

ومناهجه كانت مستقرة في نفوس المجتهدين، وكانوا يسيرون فيه ضوئها وإن لم يصرحوا بها، فعبد الله بن مسعود الصحابي الفقيه عندها كان يقول: إن الحامل المتوفي عنها زوجها، تنقضي عدتها بوضع حملها، لقوله تعالى: «وَأُلَاتِ الأَحْمَال أجَلَهُنَّ نْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» [الطلاق:4] ويستدل بأن سورة الطلاق التي فيها هذه الآية، نزلت بعد سورة البقرة التي فيها قوله تعالى: «والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزوْاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» [البقرة:234] إنما كان يشير بهذا الاستدلال إلى قاعدة من قواعد

الأصول، وهي: إن النص اللاحق ينسخ النص السابق، وإن لم يصرح بذلك (1) ، كما أن العادة أن الشئ يوجد ثم يدون، فالتدوين كاشف عن وجوده لا منشاء له كما في علم النحو والمنطق، فما زالت العرب ترفع الفاعل، وتنصب المفعول في كلامها، وتجري على هذه القاعدة وغيرها من قواعد النحو قبل تدوين علم النحو، والعقلاء كانوا يتناقشون ويستدلون بالبديهيات قبل أن يدون علم المنطق، وتوضع قواعده.

فأصول الفقه، إذن: صاحب الفقه ولازمه منذ نشأته، بل كان موجودًا قبل نشأة الفقه، لأنه قوانين للأستنباط، وموازين للآراء، ولكن لم تظهر الحاجة إلى تدوينه أولًا، ففي زمان النبي صلى الله عليه وسلم ما كانت هناك حاجة للكلام عن قواعد هذا العلم فضلًا عن تدوينه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو مرجع الفتيا وبيان الأحكام، فما كان هناك من داعٍ للاجتهاد والفقه، وحيث لا اجتهاد، فلا مناهج للاستنباط، ولا حاجة الى قواعده.

1 - (شرح التوضيح للتنقيح) ج 1 ص 39

8 -وبعد وفاة النبي الكريم ظهرت وقائع وأحداث كان لا بد من مواجهتها

بالاجتهاد وأستنباط أحكامها من الكتاب أو السنة، إلا أن فقهاء الصحابة لم يشعروا بالحاجة إلى الكلام عن قواعد الاجتهاد ومسالك الاستدلال والاستنباط. لمعرفتهم باللغة للعربية، وأساليبها، ووجوه دلالة ألفاظها وعباراتها على معانيها، ولإحاطتهم بأسرار التشريع وحكمته، وعلمهم بأسباب نزول القرآن وورود السنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت