الوجه الثاني:
أن الحديث ليس فيه عموم لأنه قال: (( ثم اشتر بالدراهم جنيبًا ) )والأمر بالحقيقة المطلقة ليس أمرًا بشيء من قيودها؛ لأن الحقيقة مشتركة بين الأفراد, والقدر المشترك ليس هو ما يميز كل واحد من الأفراد عن الآخر ولا هو مستلزمًا له فلا يكون الأمر بالمشترك أمرًا بالمميز بحال, نعم: هو مستلزم لبعض تلك القيود لا بعينه فيكون عامًا لها على سبيل البدل لكن ذلك لا يقتضي العموم بالأفراد على سبيل الجمع وهو المطلوب, فقوله: بع هذا الثوب لا يقتضي الأمر ببيعه من زيد أو عمرو, ولا بكذا وكذا, ولا بهذه السوق أو هذا, فإن اللفظ لا دلالة له على شيء من ذلك, لكن إذا أتى بالمسمى حصل ممتثلًا من جهة وجود تلك الحقيقة لا من جهة وجود تلك القيود, إذا تبين ذلك فليس في الحديث أنه أمره أن يبتاع من المشتري ولا أمره أن يبتاع من غيره, ولا بنقد البلد ولا غيره, ولا بثمن حال أو مؤجل, فإن هذه القيود خارجة عن مفهوم اللفظ, ولو زعم زاعم أن اللفظ يعم هذا كله كان مبطلًا لكن اللفظ لا يمنع الأجزاء إذا أتى بها.
وقد قال بعض الناس: إن عدم الأمر بالقيود يستلزم عدم الإجزاء إذا أتى بها إلا بقرينة وهذا غلط بين؛ فإن اللفظ لا تعرض فيه للقيود بنفي ولا إثبات ولا الإتيان بها ولا تركها من لوازم الامتثال وإن كان المأمور به لا يخلو عن واحد منهما ضرورة وقوعه جزئيا مشخصا فذلك من لوازم الواقع لا أنه مقصود الأمر وإنما يستفاد الأمر بتلك اللوازم أو النهي عنها من دليل منفصل.
وقد خرج بهذا الجواب عن قول من قال: لو كان الابتياع من المشتري حرامًا لنهى عنه فإن مقصوده إنما هو بيان الطريق التي يحصل بها اشتراء التمر الجيد لمن عنده رديء وهو أن يبيع الرديء