وقد كان من تمام النعمة على العباد، أن أكمل الله -جل وعلا- لهم هذا الدين، وكفاهم به عن غيره، فانتظمت بذلك مصالحهم واستقامت أمورهم على وجه التمام والكمال. كما قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [1] .
ومن المعلوم أيضا بالضرورة أن مقتضى كمال الدين وتمام النعمة, صلاحيته لكل زمان ومكان، على اختلاف الأعصار, وتنائي الأمصار؛ وذلك لأن كمال الملة إنما كان لتحقق وصفين اثنين:
الأول: كونها تفي بمقاصد التشريع العامة.
والثاني: كونها صالحة لكل زمان ومكان.
ولما كان العباد متعبدين بالسماع من أدلة الوحيين (القرآن والسنة) كان الصواب لا يكون إلا عنهما وعن طريقهما, وطريق من خالفهما باطل مهما كان مسلكه ومأخذه, فالعصمة التي حفت بها النصوص, قاضية على كل رأي واجتهاد مخالف.
لهذا قعد العلماء قواعد تحفظ منزلة تلك النصوص وتقدمها في كل مأخذ, وتربطها بكل واقعة, وتجعل الإنسان لا يضطرب في المسائل الفقهية؛ فإن من سار على قاعدة فقهية، كانت أحكامه الفقهية سائرةً على منهج منضبط، أما من لم يراع القواعد الفقهية؛ فإن ترجيحاته تكون مضطربةً غير سائرةٍ على منهج واحد معتدل.
(1) سورة المائدة آية رقم /3