فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 61

الجريمة التامة في غير الحدود، خصوصا و أن عقوبة التعزير غير مقدرة و للقاضي حرية واسعة في تقدير العقوبة بين حديها الأدنى و الأعلى.

و الجريمة المستحيلة كما سبق الذكر أنها صورة من صور الشروع و هي تحتوي نوعا من الخطر الذي شرع فيه الجاني للوصول إلى نتيجة يرجوها إلا أنها لا تتحقق، و تبقى النية مبيتة لذلك يعاقب عليها باعتبارها شروعا.

إذن فالجريمة المستحيلة شروع و الشروع خطر و الخطر هو الحالة التي يقترب فيها سلوك الفاعل من الضرر دون أن يحدث الضرر الفعلي.

و القاعدة في الشريعة الإسلامية هي:"جواز الاجتهاد و الاستدلال بالأمارات على ما خفي من المعاني ... و الأحكام".

و وجه الاستفادة من هذه القاعدة أن التجرؤ على المعصية يستدل عليه بإتيانه سلوك إجرامي و لو استحالت النتيجة.

و يلاحظ أن الشريعة الإسلامية تعاقب على الشروع لأن فعل الجاني و تجرؤه عليه معصية، فيعاقب بعقوبتين، الأولى جنائية تعزيرية و الثانية دينية يترتب الإثم على مرتكبها لأنه كان ينوي مثلا الزنا فعوقب بقصده.

لقوله صلى الله عليه و سلم:"إنما الأعمال بالنيات، و إنما لكل امرئ ما نوى"و قول ابن حزم رحمه الله:"و إن هذه النية لها أثرها في العبادات فتفسدها و هذا صحيح لأن من قصد أداء عبادة ما على وجهها ثم تبين أنه أخطأها إلى أخرى فإنها تفسد و تجب عليه استئنافها و أداؤها من جديد لأن مدار الأعمال على النية" [1] .

ثم إن الأمر يختلف في غير العبادات، فإن الإثم قد يترتب على المخطئ فيها كمن نوى سرقة مال غيره فإذا هو ماله و قد يترتب عليها عقوبة تعزيرية لإستسهاله التجرؤ على المعصية [2] .

و مما تقدم فالشريعة تعاقب على الشروع في الجريمة مطلقا و يتأكد ذلك في الجريمة المستحيلة لأنها شروع و لأنه في اعتقاد الجاني أن يقوم بتعديه على أكمل وجه فكان جزاؤه المعاقبة على فعله كالذي يشرب خلا يحسبه خمرا أو من يسرق مالا ورثه يحسبه لغيره أو يقذف إبنا هو من صلبه، فالجريمة المستحيلة تدخل تحت الجرائم غير التامة و عقوبتها التعزير، إذ تترك للسلطة التقديرية للقاضي في إنزال ما يراه مناسبا من العقوبات، ... و التعزير يكون في المعاصي التي لا حد فيها و لا كفارة و يدخل فيها جرائم الشروع و منها الجريمة المستحيلة و من ذلك الشروع في الزنا و مقدماته من خلوة و تقبيل و عناق.

(1) بهنسي أحمد فتحي، المرجع السابق، ص 117.

(2) الإمام أبو زهرة، المرجع السابق، ص 190.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت