تمر الجريمة قبل ارتكابها من المجرم بعدة مراحل، فيفكر فيها ثم يعقد العزم على ارتكابها ثم يحضر لها بعد ذلك المعدات و يهيئ الوسائل اللازمة لتنفيذها، كشراء سلاح يقتل به أو إعداد مفتاح مصطنع لفتح الخزانة، فإذا أعد الجاني معدات الجريمة انتقل إلى مرحلة التنفيذ فينفذها على الوجه الذي فكر فيه و أعد له الوسائل، و هذه المراحل السابقة قد كانت محل دراسة من الفقه القانوني و الشريعة الإسلامية السبّاقة كل حسب طريقته.
المطلب الأول: المراحل السابقة على المحاولة في الفقه
يرى الفقهاء أن الجريمة تمر بعدة مراحل حتى تخرج إلى حيز التنفيذ، و أولى هذه المراحل مرحلة العزم ... و التصميم التي هي بمثابة نقطة الانطلاق التي يخلق بها المشروع الإجرامي، و قد اختلفت القوانين في إمكانية العقاب عليها من عدمها حتى و لو اعترف الجاني إلا في حالات استثنائية، ثم ينتقل الجاني إلى محطة ثانية و هي الأعمال التحضيرية التي تسبق الجريمة لأدائها على قدر كاف من التدقيق مما يفيد في تنفيذ الخطة.
الفرع الأول: مرحلة التفكير و التصميم
يصطلح على هذه المرحلة كذلك بمرحلة العزم و التصميم، و هي المرحلة التي تكون الجريمة في بدايتها عبارة عن فكرة تجتاح في نفس صاحبها في داخله حيث ينظر و يفكر و يوازن فيتصورها ثم يعزم على الفعل أو الترك.
و هي جملة أفكار تراوده فيمعن النظر و لا يبرزها إلى العالم الخارجي و إنما تبقى حبيسة لنفسية الجاني.
و الملاحظ أن هذه المرحلة لا تستأهل التدخل التشريعي لأنها من الناحية الظاهرية أفعالا لا تنطوي في ذاتها على خطورة بالنسبة للمصلحة العامة و المحمية جنائيا، و إن كشفت أحيانا عن خطورة صاحبها، فهي غير معاقب عليها كونها أمورا نفسية داخلية لم يعبر عنها بفعل مادي، و القانون لا يعاقب على النوايا، و لابد للجريمة من كيان مادي تطبيقا للمبدأ القائل أنه:"لا جريمة دون فعل".
و التشريعات القديمة كذلك لا تعاقب على العزم و التصميم على ارتكاب الجريمة إذا تحركت في النفس كالقانون الروماني و القانون الفرنسي القديم كما هو الحال الآن في التشريعات الحديثة.
و هذه المرحلة لا عقاب عليها إذ لا سلطان للقانون على ما يفكر الناس فيه و يختلج في دواخلهم و هو من الصعب إتيانه و العقاب عليه، و من التعليل كذلك على عدم العقاب على هذه المرحلة هو ترك المجال مفتوحا
(1) د/ سليمان عبد المنعم، النظرية العامة لقانون العقوبات، دراسة مقارنة، الطبعة الثانية، منشورات حلب، سنة 1992، ص 102.