و هي التي استكمل فيها الجاني نشاطه الإجرامي لكن النتيجة المرجوة منه لم تتحقق لظروف و أسباب خارجة عن إرادة الجاني فيخيب أثرها مع توافر القصد الجنائي.
و تتمثل في قوله تعالى:"قالوا حرقوه و انصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (68) قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) و أرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) و نجيناه و لوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (71) " [1] صدق الله العظيم.
قال الطبري روى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إن إبراهيم حين قيدوه ليلقوه في النار قال لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد و لك الملك لا شريك لك"قال:"ثم رموا به في المنخنيق من مضرب شاسع فاستقبله جبريل فأسأل ربك فقال:"حسبي من سؤالي علمه بحالي"قال الله تعالى و هو أصدق القائلين:"يا نار كوني بردا و سلاما على إبراهيم"و قال بعض العلماء و جعل الله فيها بردا يدفع حرها و حرا يدفع بردها فصارت سلاما عليه."
قال ابن سعيدي في شرح قوله:"قالوا حرقوه ..."أي اقتلوه أشنع القتلات بالإحراق غضبا لآلهتكم و نصرة لها، فانتصر الله لرسوله لما ألقوه في النار فكانت عليه بردا و سلاما و لا أحسن بمكروه و دليل عزمهم على فعل السوء به لقوله عز و جل:"و أرادوا به كيدا"، أي عزموا على إحراقه فكان أن خسروا الدنيا و الآخرة كما جعل الله خليله و أتباعه الرابحين و نجاحهم إلى أرض الشام و من آمن منه [2] .
يقصد بالجريمة المعدول عنها هي الجريمة التي شرع الجاني في القيام بأركانها لكنه أثناء هذا النشاط طرأ له طارئ أو حالت دونه و دون إتمامها عوامل و أسباب جعلته يعدل عن إتمامها، و قد وردت في القرآن الكريم في قوله عز و جل:"فلما ذهبوا به و أجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب و أوحينا إليه لتنبؤهم بأمرهم هذا و هم لا يشعرون" [3] .
فقال أحد الإخوة (يهودا) : إن قتل النفس التي حرم الله من أعظم الخطايا فردوا هذا الصبي إلى أبوه و تعاهده ألا تحدث أبوه بشيء مما جرى، فقال له إخوته و الله ما تريد إلا أن تكون لك المكانة عند يعقوب و الله لئن لم تدعه لنقتلنك معه، و هنا دلالة على وجود نية القتل ليوسف عليه السلام:"قال فإن أبيتم إلا ذلك فهاهنا الجب الموحش المخيف الذي هو مأوى للحيات و الهوام فألقوه فإن أصيب بشيء من ذلك فهو المراد و قد استرحتم من دمه"، و هذه
(1) سورة الأنبياء، الآيات من 68 إلى 71.
(2) الطبري محمد بن حريه أبو جعفر، المرجع السابق، ص 403 و 404.
(3) سورة يوسف، الآية 15.