ويقال بعدم جواز الدفع إذا كان غنيًا في بلده، فيتعين عليه الرجوع إلى بلده للحصول على المال، ثم بعد ذلك يذهب حيث شاء.
ثالثًا: سفر النزهة، والسياحة:
إذا كان المسافر قد سافر لأجل التنزه والسياحة، فهل يعطى من سهم ابن السبيل للعودة إلى بلده أم لا؟ قولان:
الشافعية في الأصح، والحنابلة في قول، يرون جواز الدفع إليه في هذا السفر، ويمكن أن يضم إليهم الحنفية، حيث لم يفرقوا بين أنواع السفر كما ذكرنا، وكذلك المالكية، لأنه سفر إلى بلده. وهم يرون الإعطاء في حالة السفر إلى بلده من أي سفر كان دون تفرقة.
وجه قولهم: أنه في غير معصية، فيجوز [1] .
وذهب الشافعية في الصحيح، والحنابلة في قول إلى عدم جواز الدفع إليه، ووجه قولهم: أنه لا حاجة به إلى هذا السفر [2] .
والذي اختاره من القولين هو الأول، لأنه يدخل في مفهوم الآية، ولأنه مسافر يريد العود إلى بلده.
رابعًا: سفر المعصية:
لا خلاف بين العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة في عدم جواز دفع الزكاة إلى الشخص إذا كان عاصيًا بسفره، كمن خرج لقتل نفس وما أشبه ذلك، إلا أن يتوب أو يخاف عليه الموت.
ووجه قولهم: إن في الدفع إليه إعانة على المعصية، فهو كفعلها، فإن وسيلة الشيء جارية مجراه [3] .
وبناءً على ما تقدم يمكن استخلاص بعض الشروط لجواز أخذ المسافر أو منشئ السفر من سهم ابن السبيل.
شروط جواز أخذ ابن السبيل من الزكاة:
1 -أن يكون السفر مباحًا، كالسفر للحج، والجهاد، وزيارة الوالدين، أو طلب المعاش، وطلب التجارات، فإذا كان في معصية فلا يجوز الدفع إليه إلا إذا تاب أو خيف عليه الموت [4] .
2 -أن يكون المسافر فقيرًا إذا كان مجتازًا يريد بلدًا غير بلده، بناء على توفيقنا بين الأقوال.
3 -أن لا يكون منشئًا للسفر من بلده،"على رأي جمهور العلماء"، إلا إذا كان مضطرًا للسفر أو مريدًا لأداء الواجب، على ما رأيناه.
4 -أن يكون محتاجًا إلى ما يوصله إلى وطنه في ذلك الموضع الذي هو به، فإن لم يكن محتاجًا فلا [5] .
مقدار ما يعطاه ابن السبيل:
يعطى ابن السبيل ما يكفيه في مضيه إلى مقصده ورجوعه إلى بلده، وهذا بلا خلاف بين العلماء.
إعطاء المسافر مدة الإقامة
جاء في روضة الطالبين:"ولا يعطى (أي ابن السبيل) لمدة الإقامة إلا مدة إقامة المسافرين" [6] .
وجاء في منح الجليل:"وإن جلس أي أقام الغريب في بلد الغربة بعد إعطائه منها ما يوصله لبلده نزعت منه إلا أن يكون فقيرًا ببلده" [7] . وهذا يعني أنه لا يعطى للإقامة.
وعلى هذا لا يجوز دفع الزكاة إلى ابن السبيل للإقامة الزائدة على إقامة المسافرين.
مجال تطبيق ابن السبيل في عصرنا:
بعد التعرف على المراد بابن السبيل، وبعض الأحكام الخاصة به، وأن مصرفه شرع لمعالجة الحالات الطارئة التي تنشأ من السفر، وأن السفر لا يتغير من زمان إلى زمان إلا في الوسيلة، أرى أن مجال تطبيقه خاص بحالات السفر التي يراد منها العودة إلى الأوطان بعد توافر شرط عدم المعصية والحاجة، أو حالة إنشاء السفر الذي تفرضه الضرورة أو أداء الواجب إلى خارج الوطن، أما ما عدا ذلك من الأمور الأخرى فأرى عدم جواز إدخالها في سهم ابن السبيل.
هذا وقد رأى بعض العلماء المعاصرين إعطاء بعض الفئات من سهم ابن السبيل كالمشردين والمتسولين، واللقطاء، وطلاب العلم من سهم ابن السبيل.
(1) الشرح الكبير: 7/ 254؛ الروضة: 2/ 221؛ البناية: 3/ 201، 202؛ الشرح الصغير: 1/ 663، 664.
(2) الروضة: 2/ 221؛ الشرح الكبير: 2/ 254، 255.
(3) الشرح الصغير: 1/ 663؛ الخرشي: 2/ 219؛ الشرح الكبير: 7/ 254؛ الروضة: 2/ 320.
(4) الشرح الكبير: 7/ 254، الخرشي: 2/ 219، الشرح الصغير: 1/ 663.
(5) الخرشي: 2/ 219.
(6) روضة الطالبين: 2/ 325.
(7) منح الجليل: 1/ 375. بتصرف يسير.