المساواة بين الأصناف عند التوزيع:
على فرض ثبوت جدوى الشمول من الناحية الاقتصادية، ورجح بعض الفقهاء القول بالشمول والاستيعاب من الناحية الفقهية بناء على تلك الجدوى، فهل يمكن القول بالتسوية في المقدار بين الأصناف الثمانية، اعتمادًا على رأي الشافعية أم لا؟، للجواب عن هذا السؤال أقول: إن الشافعية يرون وجوب التسوية بين الأصناف، وإن كانت حاجة بعضهم أشد، جاء في الروضة:"التسوية بين الأصناف واجبة، وإن كانت حاجة بعضهم أشد، إلا أن العامل لا يزاد على أجرة عمله .... وأما التسوية بين آحاد الصنف، سواء استوعبوا، أو أقتصر على بعضهم، فلا تجب، لكن تستحب عند تساوي الحاجات" [1] .
والحقيقة أن ما يراه الشافعية، وإن قُبل من الناحية الاقتصادية النظرية، إلا أنه لا يقبل من الناحية الواقعية والاقتصادية العملية أيضًا، لأنه غير ممكن لاختلاف حاجات الناس، وتباينها، من حيث وجود حاجة بعض الأصناف، وعدمها، ومن حيث مقدارها، فقد يحتاج صنف ولا يحتاج صنف آخر، وقد يحتاج بعض الأصناف في بلد ما عشرة آلاف لتلبية حاجاته، في حين أن حاجة بعض الأصناف الأخرى يمكن تلبيتها بألفين فقط، وهكذا، فإزاء هذا الاختلاف في الحاجات لا يمكن القول بالتساوي بناء على قول الشافعية. هذا وقد ذكر صاحب الشرح الكبير مثل هذا الكلام في كتابه بعد أن بين عدم وجوب استيعاب أو شمول الأصناف عند التوزيع فقال:"وهذا الذي اخترناه هو اللائق بحكمة الشرع، وحسنه، إذ غير جائز أن يكلف الله سبحانه وتعالى من وجبت عليه شاة أو صاع من البر، أو نصف مثقال، دفعه إلى ثمانية عشر نفسًا، أو إحدى وعشرين نفسًا، أو أربعة وعشرين من ثمانية أصناف، لكل ثلاثة منهم ثُمنها، الغالب تعذر وجودهم في الإقليم العظيم، فكيف يكلف الله تعالى كل من وجبت عليه زكاة، جمعهم وإعطاءهم، وهو سبحانه القائل: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [2] ، وقال: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [3] ، وأظن أن من قال بوجوب دفعها على هذا الوجه إنما يقوله بلسانه، ولا يفعله، ولا يقدر على فعله، .... الخ [4] ."
وعلى ما تقدم أرى أنه لا يمكن القول بالتساوي بين الأصناف عند توزيع الزكاة، لعد واقعيته، وعدم تلبيته لحاجات المحتاجين، أو الأشد حاجة، وإنما التوزيع على الأصناف يكون بسبب الحاجة وبقدرها.
(1) الروضة: 2/ 330.
(2) سورة الحج 78.
(3) سورة البقرة 185.
(4) الشرح الكبير من المقنع ج 7 ص 276، 277.