حلت للغني، وبدليل أنه لو حمل زكاته بنفسه إلى الإمام لا يستحق العامل منها شيئًا.
الثاني: إنه فرغ نفسه لهذا العمل، وكل من فرغ نفسه لعمل من أمور المسلمين يستحق عليه رزقًا كالقضاة [1] .
دليل القول الثاني: يمكن الاستدلال لهذا القول، بأن استحقاق العامل الأجرة بالعمل، فيكون ما يأخذه بقدر عمله، وذلك أجرة المثل [2] .
واستدل أصحاب القول الثالث لمذهبهم بدلالة الكتاب، وهي أن الله تعالى قسم الصدقات في قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ على الثمانية أصناف منهم العاملون عليها، فكان لهم منها الثمن [3] .
مناقشة الأدلة
ناقش أصحاب القول الأول: ما استدل به أصحاب القولين الثاني والثالث بالآتي:
(1) إن قولكم إن الله تعالى قسم الصدقات ... الخ غير مسلّم أنه قسم بل بيّن فيها مواضع الصدقات ومصارفها.
(2) لو كان ما يستحقه العامل بطريق الزكاة أو الصدقة لما حلت للغني، فدل ذلك على أنه إنما يستحق بعمله، لكن على سبيل الكفاية له ولأعوانه، كما أننا لا نسلّم أن ما يستحقه العامل أجرة.
لإن ما يستحقه العامل إنما يستحقه بطريق الكفاية، فهو أجرة من وجه وصدقة من وجه لأنه عامل لله تعالى، والصدقة لا توجب التقدير والأجرة توجب التقدير، فوجب رزقه على حسب الكفاية.
ولأن الإجارة لا تكون إلا على عمل معلوم ومدة معلومة وأجرة معلومة [4] .
القول المختار
بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم في مقدار ما يعطاه العامل يمكن القول بأن التوفيق بين القول الأول والثاني ممكن، وطالما كان التوفيق ممكنًا، فيصار إليه، ووجه التوفيق أنه يؤخذ بالقول القائل بالأجرة، والقول القائل بالكفاية، فيصار إلى الكفاية إذا كان العامل فقيرًا، ويصار إلى الأجرة إذا كان العامل غنيًا، كذلك
(1) بدائع الصنائع: 2/ 44؛ البناية: 3/ 193.
(2) انظر هذا المعنى في بدائع الصنائع: 2/ 44.
(3) انظر هذا المعنى في روضة الطالين: 2/ 327.
(4) بدائع الصنائع: 2/ 44؛ البناية: 3/ 193، 194.