عبد الله بن سليمان العبدالله (ذو المعالي)
يلمحُ القاريءُ لـ (التأريخ) أبعادًا كثيرة في مواضيع (التأريخ) . و حاصل تلك الأبعاد ثلاثة:
الأول: البُعدُ المنهجي.
و ذلك كون التأريخ علمٌ له أصولٌ و له قواعد تُحْكِمُ حوادثه من حيثُ القبولُ و الرد، و من حيث تحقق وقوعها و عدمها.
و هذه القواعد أُوْلِيَتْ اهتمامًا من العلماء كبيرًا، فنثروها و حرروها، و سلكوا في ذلك مسلكين اثنين:
أولهما: مسلك الإفراد في التصنيف.
ثانيهما: مسلك التضمين في التأليف.
و بينهما فرْقٌ كبير.
فالأول: إفراد للقواعد في تصنيفٍ مستقلٍ كما فعل (ابن خلدون) في (المقدمة) .
و الثاني: تضمين القواعد في بعض التآليف التأريخية و السِّيَرِيَّة.
الثاني: البُعْدُ القصصي.
(التأريخ) أحوال و حوادث و وقائع، و هذا نوع من القصص المَحْكِي، و الخبر المروي.
و غالب القصص يكون مبناها على الخيال الواسع، و الزيف البعيد، فتكاد أن تُقسمَ ببعد وقوعها حال القراءة و السماع، ثم ما تلبث أن تكون مصطدمًا بكونها حكايةً واقعية، خبرًا ثابتًا.
و القصص _ حيث كان التأريخ لصيق الشَبَهِ بها _ تفتقر إلى مقاييس نقدٍ قصصية، و تفتقرُ إلى ذوقٍ أدبيٍ راقٍ.
و لا يعني هذا البُعْدُ أن التأريخ عبارة عن حكايات خيالٍ لا مساس لها بواقع الناس، بل المَعْنِي: قوة الشبه بين الأخبار التأريخية و الحكايات الخيالية فيظُنُّ القاريء أو السامع أن ذاك خبرًا خياليًا.
الثالث: البُعْدُ التفسيري للتأريخ.
تفسير التأريخ مُعْتَمِدٌ على ما يُضْمِرُهُ المؤرخ من اعتقاد و دين، فتراه يفسر التأريخ على حسْبِ هواه، مماشاةًٍ لنزعاته و أفكاره.
و المراد بـ (تفسير التأريخ) هو مبدأ (السببية) أي: سبب كينونة الشيء و حدوثه.
و نلحظ ذلك في اهتمامات كثير من المؤرخين بشأن أسباب نهوض الدول، و أسباب سقوطها.