عبد الله بن سليمان العبدالله (ذو المعالي)
يُعقلُ أن أحدًا قام بصناعة خزفة، أو آلة أو غيرهما، لكن قد لا يكون معقولًا _ أبدًا _ أن أحدًا قام بـ (صناعة التأريخ) .
إذ التأريخ ذاته هو محلُّ الأحوال، فكيف يُعقل أن يكون مصنوعًا يصنعه من يعيشه.
قد يجرؤ البعض فيقول: لقد كابد الكاتب أمرًا فخالجه اهتزاز في الفكر فهرف بمالا يعرف، أو هذى بما لا درى.
و أقول: الترسل في الأمر شأن مبارَك، إن ما أقوله ليس من بنات الفكر، و لا من وحي الخَلَد.
و إنما أبوح بأمر اشتهر و انتشر، حفظ التأريخ شيئًا من ذلك فبثه المؤرخون في أضعاف الكتب و أعطافها.
(صناعة التأريخ) ليست تعني إيجاده و خلقه، فهذا من شأن الرب _ تعالى _ ليس للمرء أن يكون زاعمًا لمثله، و متى زعمه فقد ربط نفسه برباط الكفر و الردة.
و إنما (صناعة التأريخ) هي صناعة أحداث تؤتي نتاجًا مباركًا في تحقيق أهدافٍ لقوم.
بمعنى: أن يقوم أحدٌ من الناس فيجعل من نفسه موقعًا في تأريخ البشر.
و هذا تمامًا ما كان من كثير من أهل الهمم، و رواد القمم حيث سعوا إلى تحقيق قدر من الأهداف في أزمنة التأريخ.
و الناس في (صناعة التأريخ) أقسام:
الأول: من يصنع تأريخًا ينصر من خلاله دينه و مبادئه، و هؤلاء أنواع:
1 -من تبنى دينًا سماويًا، و هم قسمان:
1)من كان دينه حقًا و هو (الإسلام)
2)من كان دينه باطلًا و هو ما سوى الإسلام
2 -من تبنى مذهبًا منحرفًا. و هؤلاء كُثُرٌ.
3 -من تبنى فكرة من الفكر الخاطرة في نفسه.
الثاني: من صنع تأريخًا لنفسه، فعمرَ ذاته، و بنى كيان نفسه.
و هؤلاء قِلَّةٌ في الزمان كله _ و الله المستعان _.
و (صناعة التأريخ) ليست بالأمر الهيِّن السهل فهي تتطلَّبُ أمورًا:
الأول: تحديد التأريخ المراد صناعته.
الثاني: الدراية بالتأريخ.