الصفحة 9 من 113

(إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)

عبد الله بن سليمان العبدالله (ذو المعالي)

إن من عظيم نِعَمِ الله على العباد وَهْبَهُ إياهم أمورًا تُمَيِّزُ بعضَهم فيها عن بعض، و قُدَرًَا متفاوتة مختلفة.

فليس البشر كلهم في القُدُرَات سواءً، و لا هم _ أيضًا _ في المواهب على اتفاق، بل أوْجَدَ الله فيهم اختلاف ذلك، و تفاوته و عدم اتفاقه لِحِكَمٍ عُظمى قلَّ المُدْرِكُوْن لها.

و لذلك كانت هذه الكلمة تحمل في طيَّاتها أصلًا أصيلًا، و قاعدةً متينةً و هي: (معرفة المرء قُدَرَ نفسه) .

قال العلامة ابن عاشور _ رحمه الله _: (و هذه الآية أصلٌ لوجوب عرْضِ المرء نفسه لولاية عمل من أمور الأمة إذا علِمَ أنه لا يصلح له غيره لأن ذلك من النصح للأمة) . التحرير و االتنوير (7/ 9)

و معناها واردٌ عن السلف _ رضي الله عنهم _ و من أحسن تلك الكلمات ما كتبه الإمام مالك بن أنس _ رحمه الله _ لأحد العباد _ لما كتب أحد العباد إليه ينكر عليه اشتغاله بالعلم، ويدعوه إلى التفرغ للعبادة، فكتب له مالك -رحمه الله-: \"إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر\".

فالإمام مالكٌ _ رحمه الله _ أشار هنا إشارة بليغة إلى هذه القاعدة الكبيرة، فما أفقهه من إمام، و ما أبعد نظره.

و هذه القاعدة الكبرى مُرْتَكِزَةٌ على ركيزَتَيْن اثنتين:

الأولى: عدم رَفْعِ النفس فوق قدْرِها.

حيث ترى _ و هو كثير _ مَنْ يُخادع نفسه و يُلْبِسُها لباس الزور فيُنزلها منازل كبيرةً عليها، ليست هي من أهلها و لا قَرُبَتْ من أحوالهم.

الثانية: عدم إهانتها و إنزالها عن قدرها.

و هذه كسابقتها في الكثرة و الانتشار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت