و كما أن الناس متَّعَهم الله بقُدَرٍ فإنه مما لا شك أن لتحصيلها سُبُلًا و طُرُقًَا ، و جملة تلك طريقان:
الأولى: إدراك المرء ذلك من نفسه .
و ذلك من خلال تجارُب و أحوال مرَّت به علَّمته أنه يملك قُدْرَةً على أمرْ دون غيره ، و قليل من يُدْرِكُ ذلك من تلقاء ذاته .
و لقد حَفَلت السيرة بشيء من ذلك ما يُذْكِرُ عن ابن عباس _ رضي الله عنهما _ أنه قال: أنا من الراسخين في العلم .
فابن عباس _ هنا _ أدرك من نفسه هذه القُدْرَة فنبَّه عليها ، و أفصح عن حقيقتها .
و مثله: ما يُذكرُ عن كثير من السلف _ صحابةً و تابعين و تابعيهم _ من إخبارهم غيرَهم عما يعلمونه دون غيرهم .
الثانية: إدراك غيره منه .
الإنسان مَدَنِيٌ بطبعه ، مُنْجَذِبٌ إلى بني جنسه ، كثير المعاشرة لهم ؛ لذا فقد يطلع بعضٌ على أن فلانًا موهوب بموهبة كذا ؛ و هو جاهل بقُدْرَته هذه ، غافلًا عن تلك الموهبة .
و من هذه ما حفَلَت به السيَر فمنها:
شأن أبي ذر _ رضي الله عنه _ فقد طلب من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن يوليَه إمرةً فقال له ( صلى الله عليه وسلم ) : \"إني أراك ضعيفا،ً وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين على مال يتيم\"
فالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) أدرك من حال أبي ذر _ رضي الله عنه _ عدم أهليته للإمارة فنهاه ، و قد غابت هذه عنه و أدركها غيره .
و مِنْ ذلك ما يُذكر عن الخليل بن أحمد الفراهيدي _ رحمه الله _ لما جاءه الأصمعي _ عبد الملك بن قريب _ رحمه الله _ طالبًا علم العَرُوْض فلم يستطع فهمه ، فأنشد الخليل:
إذا لم تستطع شيئا فدعه *** و جاوزه إلى ما تستطيع .
و حيث عُرِفَ هذا فإن على الإنسان أن يعلم أن لهذه المعرفة لقُدُرَات النفس مجالان _ هما أهم ما يظهر في الساحة _:
الأول: العلم .