كَيْفَ نَفْهَمُ (التأريخ) ؟!
عبد الله بن سليمان العبدالله (ذو المعالي)
مِنْ مُتَعِ النفس استطلاعها على أحوال الناس، و رغبتها الأكيدة في معرفة ما هم عليه، و هذه من غرائز النفس التي لا تكاد تكون مفقودةً إلا عند أقوامٍ قِلَّة.
و إذا كانت هذه بتلك المكانة الغريزية فلا بد من إعمالٍ لأصلِ فهم تلك الأحوال، و الفَهْمُ لـ (التأريخ) مهمٌ جدًا، و رعايته أهم من مجرد مطالعته، إذ بالرعاية يكون الاطلاع و التحليل، و بالمطالعة يكونُ الإعمالُ العين دون الفكر.
إننا لمَّا نظرْنا في (التأريخ) على أنه قَصَصٌ تُحْكَى، و أخبارٌ تُرْوى، دون الاهتمام بشأن التفهُّمِ له، و التبصر بأبعاده و مقاصده كان أن حلَّ بنا المرَضُ الذي نملكُ علاجه، و أهلكنا الضمأ و نحن نرى فجاجَه.
فبانَ أن فَهْمَ (التأريخ) ذو أهميةٍ بالغَة المدى، بعيدةُ الصدى.
قواعد فهمِ (التأريخ) :
إلا أنه لابد من رعاية قواعد في فَهْمِ (التأريخ) هُنَّ أساسٌ ذو متانة في الفهم و جدواه، و إليكها:
الأولى: قاعدةُ السببية.
(السببية) أصلٌ كبيرٌ في باب الفَهْمِ (التأريخي) و إغفاله خطأٌ خطير، و ذلك كون الأشياء حدوثها بأسباب و زوالها بأسباب، فمراعاة عامل (السببية) في (تعليل التأريخ) يورث لنا فهمًا للحدث التأريخي بدايةً و انتهاءً.
و الغفلة عن قانون (السببية) غلطٌ بيِّن يُنتجُ فهمًا مغلوطًا للحوادث.
و التحريف لحقيقة السبب فُحْشٌ تأريخي يعقبه تحريف في حقائق التأريخ.
و بهذين كان أغلب الانحراف في فهم التأريخ.
و السبب للحدث التأريخي نوعان:
الأول: الفاعل، وهو القائم بأصل حدوث الحدث، و هو فرد أو جماعة.
الثاني: العوارض التي كان منها حدث الحدث التأريخي.
الثانية: العمران.
العِمْرَانُ مَعْقِدُ التقويم للأخبار، و مناطُ القيد في الفهم لـ (التأريخ) ، و كينونته أساسًا لفَهْمِ (التأريخ) من نواحٍ: