عبد الله بن سليمان العبدالله (ذو المعالي)
إن الشر ما نما و ما كثُرَ و ما انتشر إلا بوجودِ سُقاةٍ لزرعه، و حرَّاثٍ لبذره.
و هذا الدأب مسلوك في كل أمرٍ من أمور الحياة المختلفة.
و لكن إن كان (السُقاة) من جنس المبدأ و الشأن فنعم، لكن الغريب أن يكون (السُقاةُ) هم أعداء المبدأ.
إن الشر الكاثر في بلاد المسلمين الآن (السُقاة) له مختلفون، فهم إما مناصرون و مؤيدون له، و إما مخالفون و رادُّون له.
فالأول يسعى دائبًا لنشر مبدئه، حيث اقتنع بجدواه و أهميته، أو حيث علِمَ بضرره و لكنها عماية الشر.
و أما الثاني فشأنهم إبطال الشر و رده ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
جميلٌ هذا منهم، بل مطلوب حتمي تحققه فيهم.
و لكن العجبُ يساور الروح، ويخالج العقل بتغريب أن يكون هؤلاء (سقاةً) للشر، و حراثًا لبذره.
نعم هو قبيح جد القبح، و لكن حيث وقع فلا بد من إبداء ضوء تجاه المسألة يكشف منيرًا ما وراءها.
كون الصالحين (سقاةً) للشر _ من حيث علم أوعدمه _ أمر يثير دهشة، و يورث حيرة، و لكن لذاك أسباب، و له طرائق.
و قبل البدء بطرحهما أبين أمرًا مهمًا و هو: أننا على ثقة بحرص الصالحين على نشر الخير و بيانه، و دحض الشر و إبطاله.
حيث كان الأصل فيهم العدالة و الاستقامة و الاستئمان على أحوال الدين و أصول الشريعة.
و ما حدث ما سبق إلا بسبب غير مقصود، و بطريق غير منظور إلى عواقبه عن كثب.
و لست بهذا المطروح أكون ناشرًا حقدًا، أو ناثرًا فتنة، أو متقلِّدًا نهج إفسادٍ للعامة على العلماء، إنما أنا _ هنا _ واضعًا تشخيصًا لداء، و تبيانًا لمرض.
فليفهم هذا مني.
أما أسباب كون الصالحين (سقاةً للشر) فهذا عائد إلى أسباب كثيرة جملتها ثلاثة أسباب:
الأول: الجهل ببعض الأمور.
يدفع كثيرًا من الناس الجهلُ إلى الوقوع في أمور لا تُحمد عقباها، و لا يطيب جناها.