فهذان مجالان للعلم يَتَحَصَّل للطالب فيهما لذته و حلاوته .
و المراد باللذة العلمية: استلذاذ مسائل العلم و تذوق حلاوته ، و تحمُّل المشاق في تحصيله ، و إيثاره على أعراض الدنيا .
و ضابطها: ألاَّ تكون مُشْغِلَةٌ عن الأمور الأهم في العلم و طلبه ، و عن أصول الفنون بفروعها .
و لِيُعْلَم: أن لذة العلم مُقَيَّدة ٌبأمرين:
الأول: أن يكون بقصد و تؤدة .
الثاني: أن يكون بتوسُّطٍ .
إن غالب طلاب العلم حين يَحْلُو له العلم و يتذوَّق لذته ينجرف مع تلك اللذة فيقع في إهمال مهامٍ كبار ، و هذا خلل جَلَلٌ .
فلابد من مراعاة هذين القَيْدَيْن ، و الحذر من رونقة العلم و لذته المُفْضِيَة إلى ترك أمور أكبر .
و لهذه اللذة صور:
الأولى: اشتغال جملة من الطلاب بفنون ثانوية ، و ترك الفنون الأصيلة .
و ليس مرادي ذم الاشتغال بالفنون الكمالية ، و إنما مرادي: أن يشتغل الطالب بالعلوم الآلية و يعرض الإعراض _ الكلي أو الجزئي _ عن علوم الغاية .
الثانية: الاشتغال بمسائل فنٍّ فرعية جزئية دقيقة مع إهمال أصول ذلك الفن و أُسس مسائله .
الثالثة: الصعود إلى العلوم الكبار لمن لم يتقن بدائيات العلم .
إلى صُوَرٍ عديدات .
و لذة العلم مُنَالَةٌ بأمور:
الأول: الإخلاص لله في الطلب .
الثاني: سلوك جادة العلم المطروقة من التدرج من: الأصغر فالأوسط فالأكبر .
الثالث: إعمال الذهن و العقل في العلم تفهُّمًا و استنباطًا .
فائدة:
طالب العلم المتلذذ بفهمه لا يزال يطلب ما يزيد التذاذه ، فكلما طَلَبَ ازداد لذةً فهو يطلب نهاية اللذة و لا نهاية لها .
[ انظر: فيض القدير ( 1/163 ) ] .
إضاءة:
( مَنْ لم يحتمل ألم التعلُّم لَمْ يَذُقْ لذة العلم ) [ السِّيَر ( 22/322 ) ] .