المعتمد من المنقول فيما أوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ص: 146
نظير ما فعله المجتهدون، وليس إيجاب مجتهد باجتهاده شيئا لم تصرّح الشريعة بوجوبه أولى من إيجاب ولي اللّه تعالى حكما في الطريق لم تصرّح الشريعة بوجوبه.
وإيضاح ذلك أنهم كلهم عدول في الشرع اختارهم اللّه تعالى لدينهم، فمن دقّق النظر علم أنه لا يخرج شيء من علوم أهل اللّه تعالى عن الشريعة، وكيف تخرج علومهم عن الشريعة والشريعة هي وسيلتهم إلى اللّه تعالى في كل لحظة! ولكن أصل استغراب من لا إلمام له بأهل الطريق أن علم التصوف من عين الشريعة كونه لم يتبحّر في علم الشريعة.
ولذلك قال الجنيد رحمه اللّه تعالى: علمنا هذا مشيّد بالكتاب والسنّة.
ردّا على من توهّم خروجه عنها في ذلك الزمن أو غيره، وما بلغنا قطّ عن أحد من القوم أنه نهى أحدا عن الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج أبدا، ولا تعرّض لمعارضة شيء من الشرع، وكيف يترك الولي ما كان سببا لوصوله إلى حضرة ربّه؟ وإنما يحثّ الناس على الإكثار من أسباب الوصول، فما بقي وجه الإنكار إلا على مواجيدهم وأفهامهم، وتلك أمور لا تعارض شيئا من صريح السنّة.
والأمر في ذلك سهل، فمن شاء فليصدّقهم، ويقتد بهم كمقلدي المذاهب، ومن شاء فليسكت ولا ينكر؛ لأنهم مجتهدون في الطريق، والمجتهد لا يقتدي وإن كان على مجتهد آخر، وبالجملة فما أنكر على الصوفية إلا من جهل حالهم.
كان الشيخ عليّ الخواص رحمه اللّه تعالى يقول: إيّاك أن تصغي لقول منكر على أحد من طائفة العلماء والفقراء فتسقط من عين رعاية اللّه عزّ وجلّ، وتستوجب المقت من اللّه تعالى.
وقال الشيخ محيي الدين العربي قدّس سرّه: أصل منازعة الناس في المعارف الإلهية والإشارات الربّانية كونها خارجة عن طور العقول، ومجيئها بغتة من غير تفكّر ونظر ومن غير طريق العقل، فتنكّرت على الناس من حيث طريقها، فأنكروها، ومن أنكر طريقا من الطرق عادى أهلها ضرورة؛ لاعتقاده فسادها، وفساد عقائد أهلها، وقد غاب عن المنكر أن الأولياء والعلماء العاملين قد جلسوا مع اللّه سبحانه وتعالى على حقيقة التصديق، وعلى الصدق، والتسليم، والإخلاص، والوفاء بالعهود، وعلى مراقبة النفوس مع اللّه عزّ وجلّ حتى سلّموا انقيادهم إليه، وألقوا نفوسهم سلما بين يديه، وتركوا الانتصار لنفوسهم في وقت من الأوقات حياء من ربوبية ربّهم، واكتفاء بقيّوميّته عليهم، فقام لهم فيما يقومون لأنفسهم؛ بل أعظم.
وكان سبحانه وتعالى هو المحارب عنهم لمن حاربهم، والغالب لمن غالبهم.
وقال قدّس سرّه في باب الوصايا من «الفتوحات» : إيّاكم ومعاداة أهل لا إله إلا اللّه؛ فإن لهم من اللّه تعالى الولاية العامة؛ فهم أولياء اللّه تعالى، ولو أخطأوا وجاءوا بتراب الأرض خطايا لا يشركون باللّه شيئا فإن اللّه تعالى يلقى جميعهم بمثلها مغفرة، ومن ثبتت ولايته حرمت محاربته، وإنما جاز هجر أحد من الذاكرين اللّه تعالى لظاهر الشرع من غير أن نؤذيه، ونزدريه، وأطال في ذلك.
قلت: ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث القدسي الطويل الذي رواه مسلم: «قال اللّه تعالى: ومن لقيني بتراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة» .
ثم قال قدّس سرّه: وإذا عمل أحدكم عملا توعّد اللّه تعالى عليه بالنار فليختمه بالتوحيد؛ فإن التوحيد يأخذ بيد صاحبه يوم القيامة لا بدّ من ذلك.