المعتمد من المنقول فيما أوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ص: 354
للقارئ: ألم أعلّمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا ربّ، قال: فماذا عملت فيما علّمت؟ قال: كنت أقوم به آناء اللّيل وآناء النّهار، فيقول اللّه له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول اللّه له: بل أردت أن يقال: إنّ فلانا قارئ، فقد قيل ذاك، ويؤتى بصاحب المال، فيقول اللّه له: ألم أوسّع عليك حتّى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟
قال: بلى يا ربّ، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرّحم وأتصدّق، فيقول اللّه له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول اللّه تعالى: بل أردت أن يقال فلان جواد؛ فقد قيل ذاك، ويؤتى بالّذي قتل في سبيل اللّه، فيقول اللّه له: في ماذا قتلت؟
فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتّى قتلت، فيقول اللّه تعالى له: كذبت وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول اللّه: بل أردت أن يقال فلان جريء؛ فقد قيل ذاك» ثمّ ضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ركبتي، فقال: «يا أبا هريرة أولئك الثّلاثة أوّل خلق اللّه تسعّر بهم النّار يوم القيامة» ، وقال الوليد أبو عثمان: فأخبرني عقبة بن مسلم أنّ شفيّا هو الّذي دخل على معاوية، فأخبره بهذا، قال أبو عثمان: وحدّثني العلاء بن أبي حكيم أنّه كان سيّافا لمعاوية، فدخل عليه رجل فأخبره بهذا عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من النّاس؟ ثمّ بكى معاوية بكاء شديدا حتّى ظننّا أنّه هالك وقلنا: قد جاءنا هذا الرّجل بشرّ، ثمّ أفاق معاوية ومسح عن وجهه، وقال: صدق اللّه ورسوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [هود: 15، 16] » «1» .
وقد روي برواية أتم من هذه، وزاد في آخره: «ثم تعوذ من النار، وتلا: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110] » «2» .
شرح السنة: عن مجاهد في قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ [هود: 15] : «هم أهل الرياء، هم أهل الرياء» «3» .
عن أحمد بن حنبل: عن عديّ بن حاتم قال: قلت يا رسول اللّه:
(1) رواه الترمذي (1/ 2557) .
(2) رواه النسائي في كتاب الجهاد (6/ 23) .
(3) ذكره السيوطي في الدر المنثور (3/ 584) ، وعزاه لابن جرير وأبي الشيخ عن مجاهد.