فأرضعته، فقال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) : أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ )) قلنا: لا والله. فقال: (( لله أرحم بعباده من هذه بولدها ) ) [1] .
في هذا الحديث بيّن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) رحمة الله الواسعة لعباده، وقد فتح لهم باب التوبة والرجاء حتى ولو كثرت ذنوبهم لأنه تعالى يريد الخير لهم والنجاة من عذابه. جيء بسبايا لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) في معركة من المعارك ومن بين الأسرى إمرأة فوجدت صبيًا فركضت إليه فألصقته ببطنها شفقة عليه ورأفة بحاله وهي في حال الأسر ولا تعلم مصيرها ومستقرها فنسيت أو أنست نفسها لتعطي من رحمتها وحنانها لطفلها الرضيع فلما رآها رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بهذه الحالة سأل أصحابه بقوله: أتعتقدون أو تظنون أن هذه المرأة تطرح ولدها في النار؟ لما لها من عاطفة جياشة ورحمة به وهي على هذه الحالة فأجاب أصحابه بأنها لا تطرح وأقسموا بالله بأنها لا تفعل ولن تفعل إذا كانت هذه مخلوقة لها من الرحمة ماجعلتها تنسى نفسها وحالها لتنقذ ولدها من الهلاك فكيف بخالق المخلوقات ألا تكون رحمته وسعت كل شئ؟ وهو الرحمن الرحيم، فرّبنا أرحم أي اكثر رحمة من هذه المرأة الرحيمة بولدها، ولأنه سبحانه رحمته سبقت غضبه. وقد أقسم لهم الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) على ذلك لأن اللام هي لام قسم مقدر تقديره والله لله أرحم بعباده، وهذه اللام تفيده المبالغة والتوكيد والتعجب، وقد سبق شرح الحديث في الفصل الأول [2] .
ز ـ التعجب بـ (عجب) ومشتقاته:
ومن الصيغ غير القياسية لأسلوب التعجب أن يتعجب بالمصدر (عجب) وما يشتق منه كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خبر وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن. إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له ) ) [3] .
إن أمر المؤمن الكامل وهو العالم بالله والراضي بأحكامه والعامل بتصديق موعوده يكون عجبا، لأن حياته بين مسرة ومضرة، فكلها خير له، إن كان في السراء شكر الله على نعمه وإن كان في الضرّاء صبر فكانت حياته في هذه وفي تلك له ثواب كبير وأجر عظيم لأن بشكره على نعمه، فقد أدى حق الله عليه وبصبره على ما يضره في بدنه أو في أهله وماله، فكان له ثواب الصابرين، ولذلك تعجب رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بالمصدر (عجبا) وهو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره أعجب ولا يتعجب الإنسان من شئ إلاّ إذا عظم موقعه عنده ولم يعرف سببه، وهذا الأسلوب هو من أساليب التعجب السماعية، فهو إذن إنشاء غير طلبي.
وكقول رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) في حديث يرويه أبو هريرة (- رضي الله عنه -) حيث قال: (( جاء رجل إلى النبي(- صلى الله عليه وسلم -) فقال إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه فقالت والذي بعثك بالحق ماعندي إلا ماءً ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلاّ ماءً، فقال من يضيف هذا الليلة فقال رجل من الأنصار أنا يا رسول الله فانطلق به إلى رحله فقال لإمرأته: إكرمي ضيف رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ، وفي رواية"قال: لإمرأته: هل عندك شئ، فقالت: إلاّ قوت صبياني، قال: فعللّيهم بشئ وإذا أرادوا العشاء فنوّميهم وإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين، فلما أصبح غدا على النبي (- صلى الله عليه وسلم -) فقال: لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة )) [4] ."
في هذا الحديث الشريف يتبين حب أصحاب رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) له حتى أنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فهذا الرجل الذي جاء إلى رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وأخبره بأنه مجهود أي أهلكه الجوع وسوء العيش، فيرسل النبي (- صلى الله عليه وسلم -) إلى نسائه لعله يجد عند واحدة منهن ما يسد رمق الرجل فيحلفن جميعا بأنهن لايملكن من الطعام شيئا إلاّ الماء، وقد استعلمن القسم بالأسم الموصول وهو: (الذي) وتفسره الجملة التي بعده (بعثك بالحق) أي (الله) هذا أسلوب من أساليب الإنشاء غير الطلبي، أي أقسم بالذي بعثك بالحق فحذف الفعل وعوّض عنه بحرف القسم وهو (الواو) والمقسم به هو (الذي) والمقسم عليه جملة (ما عندي إلاّ ماء) وهنا أفادت (ما) النافية وأداة الإستثناء والحصر (إلاّ) توكيد الجملة (عندي ماء) . فلما لم يجد الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) عند نسائه طعاما أخذ يسأل أصحابه بقوله: (من يضيف هذا الليلة) (هذا) في محل نصب مفعول به ويقصد به الرجل المجهود (الليلة) منصوب على الظرفية، فقال رجل من الأنصار (وهم المسلمون من أهل المدينة المنورة الذين نصروا رسول الله(- صلى الله عليه وسلم -) أنا يا رسول الله قيل أنه أبو طلحة [5] ، فـ (أنا) ضمير في محل رفع مبتدأ وخبره محذوف دلّ عليه ما سبق تقديره (أضيفه) ويمكن أن يكون (أنا) فاعلا وفعله (أضيفه) .
(1) ر 418/ 170.
(2) ينظر: صفحة / 48 من هذه الرسالة.
(3) ر 27/ 35.
(4) ر 564/ 215.
(5) دليل الفالحين 4/ 369.